الأمر الثاني: قوله تعالى: ﴿ ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ﴾؛ المراد: لا يخرج بعضكم بعضاً من دياركم؛ ولا شك أن الإخراج من الوطن شاق على النفوس؛ وربما يكون أشق من القتل..
قوله تعالى: ﴿ ثم أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ أي ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه، وأقررتم به، وشهدتم عليه، ولم يكن الإقرار غائباً عنكم، أو منسياً لديكم؛ بل هو باق لا زائل؛ ثم بعد هذا الميثاق، والإقرار به، والشهادة عليه ﴿ أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾؛ و﴿ هؤلاء ﴾ منادى حذف منه حرف النداء. أي: يا هؤلاء؛ وليست خبر المبتدأ؛ و﴿ أنتم ﴾: مبتدأ خبره جملة: ﴿ تقتلون ﴾؛ والخطاب لمن كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وإنما وجه إليهم؛ لأنهم من الأمة التي فعلت ذلك، ورضوا به..
وقوله تعالى: ﴿ تقتلون أنفسكم ﴾ أي يقتل بعضكم بعضاً؛ ﴿ وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ﴾ أي تجلونهم عن الديار؛ وهذا وقع بين طوائف اليهود قرب بعثة النبي ﷺ حيث قتل بعضهم بعضاً، وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم..
قوله تعالى: ﴿ تظاهرون ﴾ بتخفيف الظاء؛ وفيها قراءة أخرى: ﴿ تظّاهرون ﴾ بتشديد الظاء؛ وأصله: تتظاهرون؛ ولكن أبدلت التاء ظاءً، ثم أدغمت بالظاء الأصلية؛ و﴿ تظاهرون ﴾ أي تعالَون؛ لأن الظهور معناه العلوّ، كما قال الله تعالى: ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ﴾ [الصف: ٩] يعني ليعليه؛ وسمي العلوّ ظهوراً: من الظهر؛ لأن ظهر الحيوان أعلاه؛ وقيل: ﴿ تظاهرون ﴾ أي تعينون من يعتدي على بعضكم في عدوانه..


الصفحة التالية
Icon