وهنا قال تعالى: ﴿ كذبتم ﴾. فعل ماضٍ؛ وقال تعالى: ﴿ تقتلون ﴾. فعل مضارع؛ فأما كون الأول فعلاً ماضياً فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه وقع منهم التكذيب؛ وأما الإتيان بفعل مضارع بالنسبة للقتل فهو أولاً مراعاة لفواصل الآية؛ لأنه لو قال: "فريقاً قتلتم" لم تتناسب مع التي قبلها، والتي بعدها؛ ثم إن بعض العلماء أبدى فيها نكتة: وهي أن هؤلاء اليهود استمر قتلهم الرسل حتى آخرهم محمد ﷺ فإنهم قتلوا الرسول ﷺ بالسم الذي وضعوه له في خيبر؛ فإنه ﷺ ما زال يتأثر منه حتى إنه ﷺ في مرض موته قال: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع الأبهر مني"(١) ؛ قال الزهري: إن النبي ﷺ مات شهيداً؛ لأن اليهود تسببوا في قتله؛ وهذا ليس ببعيد أن يكون هذا من أسرار التعبير بالمضارع في القتل؛ وإن كان قد يَرِدُ عليه أن التكذيب استمر حتى زمن الرسول ﷺ فلماذا لم يقل: "فريقاً تكذبون وفريقاً تقتلون"؟! والجواب عن هذا أن القتل أشد من التكذيب؛ فعبر عنه بالمضارع المستمر إلى آخر الرسل..
فإن قيل: كيف يصح قول الزهري: إن النبي ﷺ مات شهيداً؛ لأن اليهود كانوا سبباً في قتله، وقد قال الله تعالى: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾؟
فالجواب: المراد بقوله تعالى: ﴿ يعصمك من الناس ﴾: حال التبليغ؛ أي بلغ وأنت في حال تبليغك معصوم، ولهذا لم يعتد عليه أحد أبداً في حال تبليغه، فقتله..


الصفحة التالية
Icon