قوله تعالى: ﴿ وأُشربوا في قلوبهم العجل ﴾: قال بعضهم: إنه على تقدير مضاف؛ والتقدير: أشربوا في قلوبهم حب العجل؛ لأن العجل نفسه لا يمكن أن يشرب في القلب؛ ومعنى ﴿ أشربوا ﴾: أنه جُعل هذا الحب كأنه ماء سقي به القلب؛ إذاً امتزج بالقلب كما يمتزج الماء بالمدر إذا أشرب إياه؛ والمدر هو الطين اليابس؛ فهذا القلب أشرب فيه حب العجل، ولكن عبر بالعجل عن حبه؛ لأنه أبلغ؛ فكأن نفس العجل دخل في قلوبهم؛ والذي أشرب هذا في قلوبهم هو الله سبحانه وتعالى؛ ولكن من بلاغة القرآن أن ما يكرهه الله يعبر عنه غالباً بالبناء لما لم يسم فاعله؛ لأن النبي ﷺ يقول: "والشر ليس إليك"(١)، وقال الله تعالى عن الجن: ﴿وأنَّا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً﴾ [الجن: ١٠] ؛ ففي الشر قالوا: ﴿أريد﴾، ولم ينسبوه إلى الله؛ أما الرشد فنسبوه إلى الله عزّ وجلّ..
قوله تعالى: ﴿ بكفرهم ﴾: الباء هنا للسببية؛ أي بسبب كفرهم بالله السابق على عبادة العجل؛ لأنهم قد نووا الإثم قبل أن يقعوا فيه؛ فصاروا كفاراً به، ثم أشربوا في قلوبهم العجل حتى صاروا لا يمكن أن يتحولوا عنه: قال لهم هارون ﷺ ﴿يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري﴾ [طه: ٩٠] ؛ ولكن كان جوابهم لهارون: ﴿لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ [طه: ٩١] ؛ فأصروا؛ لأنهم أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم..


الصفحة التالية
Icon