صفحة رقم ٣٥١
الموضوعة للانقطاع إشارة إلى أن إدراكهم لما زعموه من قتله مع كونه في الحقيقة شكاً يكلفون أنفسهم جعله ظناً، ثم يجزمون به، ثم صار عندهم متواتراً قطعياً، فلا أجهل منهم.
ولما أخبر بشكهم فيه بعد الإخبار بنفيه أعاد ذلك على وجه أبلغ فقال :( وما قتلوه ) أي انتفى قتلهم له انتفاء ) يقيناً ) أي انتفاؤه على سبيل القطع، ويجوز أن يكون حالاً من ( قتلوه ) أي ما فعلوا القتل متيقنين أنه عيسى عليه الصلاة والسلام، بل فعلوه شاكين فيه والحق أنهم لم يقتلوا إلا الرجل الذي ألقى شبهه عليه، والوجه الأول أولى لقوله :( بل رفعه الله ( بما له من العظمة البالغة والحكمة الباهرة، رفع عيسى عليه الصلاة والسلام ) إليه ) أي إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي، وعن وهب أنه أوحى إليه ابن ثلاثين، ورفع ابن ثلاث وثلاثين فكانت رسالته ثلاثاً وثلاثين سنة ) وكان الله ) أي الذي له جميع صفات الكمال في كل حال عند قصدهم له وقبله وبعده ) عزيزاً ) أي يغلب ولا يغلب ) حكيماً ) أي إذا فعل شيئاً أتقنه بحيث لا يطمع أحد في نقض شيء منه، وختمُ الآية بما بين الصفتين يدل على أن المراد ما قررته من استهزائهم، وأنه قصد الرد عليهم، أي إنه قد فعل ما يمنع من استهزائكم، فرفعه إليه بعزته وحفظته بحكمته، وسوف ينزله ببالغ قدرته، فيردكم عن أهوائكم، ويسفك دماءكم، ويبيد خضراءكم، وله في رفعه وإدخاله الشهبة عليكم حكمة تدق عن أفكار أمثالكم.
قصة رفعه عليه الصلاة والسلام من الإنجيل الموجود اليوم يبن أظهر النصارى، وهي تتضمن الإنذار بالدجال والإخبار بنزوله صعيد، والبشارة بنبينا محمد ( ﷺ ) الذي وصفه بالفارقليط وبالأركون، وأن إخبارهم بقتله وصلبه ليس مستنداً إلا إلى شك - كما قال الله تعالى، وأحسن ما رد على الإنسان بما يعتقده، قال مترجمهم في إنجيل متى : إنه عليه الصلاة والسلام دخل إلى الهيكل في يروشليم - وهي القدس - وجرت بينه وبين الأحبار محاورات كان آخرها أن قال لهم : إني أقول لكم : إنكم لا تروني الآن حتى تقولوا : مبارك الآتي باسم الرب، ثم خرج من الهيكل، فجاء إليه تلاميذه كي يُروه بناء الهيكل، فأجاب وقال لهم : انظروا هذا كله، الحق أقول لكم : إنه لا يترك هنا حجر على حجر إلا نقض، ثم جلس على جبل الزيتون - قال مرقس : قدام الهيكل - فجاء إليه تلاميذه قائلين : قل لنا : متى هذا وما علامة مجيئك وانقضاء الزمان ؟ فقال لهم : انظروا لا يضلنكم أحد - قال مرقس ولوقا : فإن كثيراً يأتون باسمي قائلين : إنما هو المسيح، ويضلون كثيراً - فإذا سمعتم بالحروب وأخبار الحروب انظروا لا تقلقوا، فلا بد أن يكون هذا كله، تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة، ويكون خوف عظيم واضطراب وجوع