صفحة رقم ١٥٩
والكتاب : الصحيفة التي فيها الخط - وهو الكتابة، وهي تأليف الحروف التي تقرأ في الصحيفة، والفرح : لذة القلب التي تجلي الهم بنيل المشتهى، والحزب : الجماعة التي تقوم بالنائبة.
ولما بينت هذه الآيات من مراتب الإعجاز ما بينت، أتبع تعالى ذكر ما أنزل قوله :( وكذلك ) أي ومثل هذا الإنزال، البديع المثال، البعيد المنال ؛ ولا يبعد أن يكون عطفاً على ) كذلك أرسلناك ( أو ممتلئاً حكمة تقضي بالحق، فائقاً لجميع الكتب بهذا الوصف ؛ والحكم : القطع بالمعنى على ما تدعوا إليه الحكمة، وهو أيضاً فصل الأمر على الحق ؛ فالمعنى أنه لا يقدر أحد على نقض شيء منه، فإن ذلك في الحقيقة هو الحكم، وما ليس كذلك فليس بحكم، والعربي : الجاري على مذاهب العرب في كلامها، فلا تلتفت إلى ما تدعوهم إليه أهويتهم فيقترحونه من تأييدك بملك أو إتحافك بكنز أو تركك لبعض ما يوحى إليك من سبب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم أو غير ذلك من طلباتهم التي لو أتيتهم بها لم يكونوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - هذا في عباد الأوثان، وكذا في أهل الكتاب فيما يدعون إليه من العود إلى قبلتهم ونحوه ) ولئن اتبعت أهواءهم ( في شيء من ذلك من النسخ أو غيره في القلبة أو غيرها ولا سيما مما يطلبونه من الآيات المقترحة كما قال تعالى :
٧٧ ( ) ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم ( ) ٧
[ البقرة : ٤٥١ ].
ولما كان المراد التعميم في الزمان، نزع الجار، وأتى ب ( ما ) لأنها أعم من ( الذي ) وأشد إبهاماً، فهي الخفيّ معنى، فناسب سياق الوحي الذي هو غيب، ومعناه غامض - إلا لبعض الأفراد - في الأغبياء بخلاف آية البقرة الأولى فإنها في الملة الإبراهيمية المدركة بنور العقل الناشىء عن نظر المحسوسات فقال :( بعدما جاءك ( ولما كان قد أنعم عليه ( ﷺ ) غير العلم، بين المراد بقوله :( من العلم ) أي بالوحي بأن ذلك الاتباع لا يردهم سواء كان ذلك الاتباع في أصول الشريعة أو فروعها خفية كانت أو جلية.
ولما كان المشروط استغراق جميع زمان البعد باتباع الأهواء، قال :( ما لك ( حينئذ ) من الله ) أي الملك الأعلى وأعرق في النفي فقال :( من ولي ) أي ناصر يتولى من نصرك وجميع أمرك ما يتولاه القريب مع قريبه.
ولما كان مدلول ( ما ) أعم من مدلول ( الذي ) لشمولها الظاهر والخفي، وكان من خالف الخفي أعذر ممن خالف الظاهر، نفى الأخص من النصير فقال :( ولا واق ) أي يقيك بنفسه فيجعلها دون


الصفحة التالية
Icon