صفحة رقم ٤٣٥
كسفاً بإسقاط البرد المهلك، فثبت بذلك صحة الإخبار بتصريف الأمثال في هذا الكتاب، فعطف على قوله :( ولقد صرفنا ( قوله تعالى :( وبالحق ) أي من المعاني الثابتة التي لا مرية فيها لا بغيره ) أنزلناه ( نحن القرآن أو هذا الذي أخبر منه بالحشر لبني إسرائيل ملتفين بالقبط وبما قبله على ما لنا من العظمة ) وبالحق ( لا بغيره ) نزل ( هو ووصل إليهم على لسانك بعد إنزاله عليك كما أنزلنا سواء غضاً طرياً محفوظاً لهم يطرأ عليه طارئ، فليس فيه شيء من تحريف ولا تبديل كما وقع في كتاب اليهود الذين يسألهم قومك، فأفاد هذا أن القرآن معجز بكونه مع إعجازه بالبلاغة في تصريف الأمثال، وغيرها من نظم المقال ) وما أرسلناك ) أي بما لنا من العظمة ) إلا مبشراً ونذيراً ( على غاية التمكن في كل من الوصفين - بما أشار إليه الواو والصيغة، تبلغهم ما فيه من بشارة لمن آمن بذلك اليوم، ونذارة لمن لم يؤمن به، فإن قبلوا فهو حظهم، وإن لم يقبلوا كان عليهم وزرهم، ولم يكن عليك لوم، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلاً، وسنزهق باطلهم بهذا الحق لا محالة، فلا تستعجل لهم ) إن الباطل كان زهوقاً ( ولم نرسلك لتفجير الأنهار ولا إنبات الأشجار ؛ ثم أخبر أن الحكمة في إنزال القرآن منجماً فقال تعالى :( وقرءاناً ) أي وفصلنا أو أنزلنا قرآناً ) فرقناه ) أي أنزلنا منجماً في أوقات متطاولة وميزناه بالحقيقة عن كل باطل، وبالإعجاز عن كل كلام ) لتقرأه على الناس ) أي عامة كل من أمكنك منهم، فإنك مرسل إليهم كلهم.
ولما كانوا لما لهم من النوس في غاية الزلزلة، لا يتهذبون إلا في أزمان طويلة وعلاج كبير، قال مشيراً إلى ذلك :( على مكث ) أي تؤده وترسل بأن تقرأ منه كل نجم في وقته الذي أنزلناه فيه مدة ثلاث وعشرين سنة ) ونزلناه ( من عندنا بما لنا من العظمة ) تنزيلاً ( بعضه في إثر بعض، مفرقاً بحسب الوقائع لأنه أتقن في فصلها، وأعون على الفهم لطول التأمل لما نزل من نجومه في مدة ما بين النجمين لغزارة ما فيه من المعاني، وكثرة ما تضمنه من الحكم، وذلك أيضاً أقرب للحفظ، وأعظم تثبيتاً للفؤاد، وأشرح للصدر، لأن أخبار الحبيب إذا كانت متواصلة كان المحب كل يوم في عيد، بهناء جديد، فعلنا بك ذلك لما تقدم من أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فلما طالت الدلائل، وزالت الشبه، وعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم أدبر، أمره أن يقول مبنهاً لهم على ذلك مبكتاً لهم بتقاعسهم عنه وعنادهم فيه بقوله تعالى :( قل آمنوا به ) أي القرآن ) أولا تؤمنوا ( فالإيمان به غير محتاج إليكم ولا موقوف عليكم لأنكم إن آمنتم به كان الحظ لكم، وإلا لم تضروا إلا أنفسكم، وهو احتقار لهم حيث صرف لهم من كل مثل فأبوا إلا كفوراً، ثم علل ذلك بما يقبل بكل


الصفحة التالية
Icon