صفحة رقم ٢٢١
وهم المقصودون بالتهديد :( وإنا ) أي بما لنا من العظمة ) على أن نريك ) أي قبل موتك ) ما نعدهم ( من العذاب ) لقادرون ( ولما لاح من هذا أن أخذهم وتأخيرهم في الإمكان على حد سواء، وكانوا يقولون ويفعلون ما لا صبر عليه إلا بمعونة من الله، كان كأنه قال فماذا أفعل فيما تعلم من أمرهم ؟ فقال آمراً له بمداواته :( ادفع ( وفخم الأمر بالموصول لما فيه من الإيهام المشوق للبيان ثم بأفعل التفضيل فقال :( بالتي هي أحسن ) أي من الأقوال والأفعال بالصفح والمداراة ) السيئة ( ثم خفف عنه ما يجد من ثقلها بقوله :( نحن أعلم ) أي من كل عالم ) بما يصفون ( في حقك وحقنا، فلو شئنا منعناهم منه أو عاجلناهم بالعذاب وليس أحد بأغير منا فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.
ولما كان الصبر عليه لا يطاق إلا به سبحانه، أمره بالدعاء بذلك فقال :( وقل رب ( أيها المحسن إليّ ) أعوذ بك ) أي ألتجىء إليك ) من همزات الشياطين ) أي أن يصلوا إليّ بوساوسهم التي هي كالنخس بالمهماز في الإقحام في السيئات البعد عن مطلق الحسنات، فكيف بالأحسن منها كما سلطتهم على الكافرين تؤزهم إلى القبائح أزاً ) وأعوذ بك رب ( اي أيها المربي لي ) أن يحضرون ) أي ولو لم تصل إليّ وساوسهم فإن حضورهم هلكة، وبعدهم بركة، لأنهم مطبوعون على الفساد لا ينفكون عنه.
ولما كان أضر أوقات حضورهم ساعة الموت، وحالة الفوت، فإنه وقت كشف الغطاء، عما كتب من القضاء، وآن اللقاء، وتحتم السفول أوالارتقاء، عقب ذلك بذكره تنبيهاً على بذل الجهد في الدعاء والتضرع للعصمة فيه فقال معلقاً بقوله تعالى :( بل لا يشعرون ( أو بمبلسون، منبهاً بحرف الغاية على انه سبحانه يمد في أزمانهم استدراجاً لهم :( حتى ( أو يكون التقدير كما يرشد إليه السياق : فلا أكون من ا لكافرين المطيعين للشياطين حتى ) إذا جاء ( وقدم المفعول ليذهب الوهم في فاعله كل مذهب فقال :( أحدهم الموت ( فكشف له الغطاء، وظهر له الحق، ولاحت له بوارق العذاب، ولم يبق في شيء من ذلك ارتياب ) قال ( مخاطباً لملائكة العذاب على عادة جهاه ووقوفه مع المحسوس دأب البهائم :( رب ارجعون ) أي إلى الدنيا دار العلم ؛ ويجوزأن يكون الجمع لله تعالى وللملائكة، أو للتعظيم على عادة في مخاطبات الأكابر لا سيما الملوك، أو لقصد تكرير الفعل للتأكيد.
ولما كان في تلك الحالة على القطع من اليأس من النجاة لليأس من العمل لفوات داره مع وصوله غلى حد الغرغرة قال :( لعلي أعمل ) أي لأكون على رجاء من أن


الصفحة التالية
Icon