صفحة رقم ٥٨٨
الفرض بقسر قاسر ما ) إلى ربي ) أي الذي أحسن إليّ بهذا الخير الذي أنا فيه ) إن لي عنده ( وأكده على من يعظه بأنه يعذب إن لم يحسن قبله وقالبه ) للحسنى ) أي الحالة والرتبة البالغة في الحسن حداً لا يوصف لأني أهل لذلك، والدليل على تأهيلي له ما أنا فيه الآن من الخير، ونسي ما يشاهده غالباً من أن كثيراً من النعم يكون للاستدارج، ومن أن كثيراً من الناس يكون في غاية النعمة فيصبح وقد أحاطت به كل نقمه، فهو بين أمنيتين في الدنيا بقوله هذا، وفي الاخرة يقول : يا ليتي كنت تراباً، فلا يزال في المحال - نعوذ بالله من سوء الحال.
ولما كان هذا هو الكفر الصراح لنسيان نعمة المنعم وجعله الإنعام من الواجب اللازم وشكه فيما أخبر سبحانه على ألسنة جميع الرسل أنه محط حكمته، سبب عنه سبحانه قوله، مؤكداً في نظير تأكيد هذا الناسي :( فلننبئن ) أي تنبئة عظيمة بخير الوصف فيها مستقصاة على سبيل العدل، وجعل الضمير الوصف تصريحاً بالعموم وبياناً للعلة الموجبة فقال :( الذين كفروا ) أي ستروا ما دلت عليه العقول، وأوجبته صرائح النقول، من إقامة الساعة لأظهار جلاله وجماله، ومن أنه تعالى يحل بالإنسان السراء والضراء ليخافه ويرجوه ويشكره ويدعو ) بما عملوا ( لا ندع منه قليلاً ولا كثيراً صغيراً ولا كبيراً، فليرون عياناً ضد ما ظنوه في الدنيا من أن لهم الحسنى
٧٧ ( ) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً ( ) ٧
[ الفرقان : ٢٣ ] ) من عذاب غليظ ( لا يدع جهة من أجسامهم ولا قواهم إلا أحاط بها ولا تقوى على دفعة قواهم.
ولما بين جهل الإنسان في حالات مخصوصة باليأس عند مس الشر، والأمن عن ذوق النعمة بعد الضر، بين حاله عند النعمة مطلقاً ودعاءه عند الشر وإن كان قانطاً تكريراً لتقلب أحواله وتناقص أقواله وأفعاله تصريفاً لذلك على وجوه شتى ليكون داعياً له إلى عدم الأنفة من الرجوع عن الكفر إلى الإيمان، ومسقطاً عنه خوف الشبه بذلك والنسبة إلى الخفة وعدم الثبات، فقال معبراًَ بأداة التحقيق دلالة على غلبة نعمه تعالى في الدنيا لنقمه، ودلالة على حالة الإنسان عند مس النعمة من جهة يتوقعها بعد بيان حاله عند مسها بغتة من غير توقع تأكيداً لبيان جهله حيث جعل ظرف النعمة ظرفاً للإعراض من غير خوف من نزعها على قرب عهده بالضر :( وإذا أنعمنا ( مما لنا من العظمة يعبر في هذا الجانب بما عبر به في الذي بعده إيذاناً بأن المعرض مسيء لمجرد الإعراض لا المبالغة فيه فقال :( أعرض ) أي انحرف عن وسواء القصد إلينا عنا في


الصفحة التالية
Icon