ثم فصّل اللّه تعالى ما يحكم به بين الخلائق، فقال : فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى، أي فأما من تكبر وتمرد، وتجاوز الحد في الكفر والمعاصي، وقدّم الحياة الدنيا على أمر الدين والآخرة، ولم يستعد لها، ولا عمل عملها، فالنار المحرقة هي مأواه ومثواه ومستقره لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. قيل : نزلت الآية في النضر وابنه الحارث، وهي عامة في كل كافر آثر الحياة الدنيا على الآخرة.
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى أي وأما من خاف القيام بين يدي اللّه عز وجل وخاف حكم اللّه فيه يوم القيامة، وأدرك عظمة اللّه وجلاله، ونهى نفسه عن هواها، وزجرها عن المعاصي والمحارم التي تشتهيها، وردها إلى طاعة مولاها، فالجنة مكانه الذي يأوي إليه، ومستقره ومقامه، لا غيرها. والآية نزلت في مصعب بن عمير وأخيه عمار بن عمير، وهي عامة في كل مؤمن خاف اللّه، ولم يتبع هواه.
وهذان الوصفان مضادان للوصفين اللذين وصف اللّه بهما أهل النار، فقوله : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ضد فَأَمَّا مَنْ طَغى وقوله : وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ضد قوله : وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا.
والخوف من اللّه لا بد وأن يكون مسبوقا بالعلم باللّه، على ما قال اللّه : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر ٣٥/ ٢٨]. ولما كان الخوف من اللّه هو السبب المعين لدفع الهوى، لذا قدمه على قوله : وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (١).
ثم ذكر اللّه تعالى تساؤل المشركين على سبيل الاستهزاء عن ميعاد القيامة، فقال : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها أي يسألك أيها النبي المشركون المكذّبون بالبعث عن وقت إرساء القيامة وميعاد وقوعها، متى يقيمها اللّه ويوجدها، أو ما منتهاها ومستقرها كرسوّ السفينة ؟ وذلك حين كانوا يسمعون النبي - ﷺ - يذكر القيامة بأوصافها الهائلة. مثل الطامة والصاخة والازفة والحاقة والقارعة، فقالوا على سبيل الاستهزاء : أَيَّانَ مُرْساها أي زمان إرسائها.
فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها، إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها أي : في أي شيء أنت يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها ؟ أو في أي شيء أنت من ذكر تحديدها ووقتها، أي لست من ذلك في شيء (٢). وهذا تعجب من كثرة ذكره لها، كأنه قيل : في أيّ شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها، حرصا على جوابهم. والمعنى ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق، بل مردها ومرجعها ومنتهى علمها إلى اللّه عز وجل، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين، ولا يوجد علمها عند غيره، فكيف يسألونك عنها ويطلبون منك بيان وقت قيامها ؟ وهم يسألونك عنها، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها.

(١) - تفسير الرازي : ٣١/ ٥١
(٢) - البحر المحيط : ٨/ ٤٢٤


الصفحة التالية
Icon