ثم يصور هولها وضخامتها في صنيعها بالمشاعر والتصورات؛ وقياس الحياة الدنيا إليها في إحساس الناس وتقديرهم :﴿ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ﴾..
فهي من ضخامة الوقع في النفس بحيث تتضاءل إلى جوارها الحياة الدنيا، وأعمارها، وأحداثها، ومتاعها، وأشياؤها، فتبدو في حس أصحابها كأنها بعض يوم.. عشية أو ضحاها!
وتنطوي هذه الحياة الدنيا التي يتقاتل عليها أهلها ويتطاحنون. والتي يؤثرونها ويدعون في سبيلها نصيبهم في الآخرة. والتي يرتكبون من أجلها ما يرتكبون من الجريمة والمعصية والطغيان. والتي يجرفهم الهوى فيعيشون له فيها.. تنطوي هذه الحياة في نفوس أصحابها أنفسهم، فإذا هي عندهم عشية أو ضحاها.
هذه هي : قصيرة عاجلة، هزيلة ذاهبة، زهيدة تافهة.. أفمن أجل عشية أو ضحاها يضحون بالآخرة؟ ومن أجل شهوة زائلة يدعون الجنة مثابة ومأوى!
ألا إنها الحماقة الكبرى. الحماقة التي لا يرتكبها إنسان. يسمع ويرى! (١)
ما ترشد إليه الآياتُ
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحوالها وصفاتها.
٢- الناس يوم القيامة مؤمن تقيّ في الجنة، وكافر وفاجر في النار.
٣- بيان استئثار الله تعالى بعلم الغيب والساعة.
٤- بيان أي الشدائد ينسى بعضها بعضا فإِن عذاب القبر يهون أمام عذاب النار.
٥- كل ما هو في حكم الواقع واقع حتما
٦- ليس هناك تصوير أوقع لحال تفاعل النفس وانفعالها بمشهد خطير، مثل هذا التصوير لعلاقة النفس الإنسانية بقيام القيامة.
فإنه إذا وقعت الواقعة، وأتت الداهية العظمى، وهي النفخة الثانية التي يكون معها البعث، كما قال ابن عباس، تذكّر الإنسان ما عمل من خير أو شر، وشاهد الجحيم النار المحرقة التي تبرز عيانا لكل إنسان مؤمن أو كافر. يراها الكافر بما فيها من أصناف العذاب، ويراها المؤمن ليعرف قدر النعمة التي أنعم اللّه بها عليه، ويشاهد الكافر الذي يصلى النار.
٧- الناس يوم القيامة والبعث فريقان : السعداء والأشقياء. فأما من عتا وتمرد، وتكبر وتجاوز الحد في الكفر والعصيان، وقدّم الحياة الدنيا على الآخرة، فمأواه ومستقرّه النار.