وفي الآيات تلقين مستمر المدى بما يجب للمدونات القرآنية من التكريم والطهارة وحرمة الشأن والرفعة.
هذا، ولما كان الملك الرباني الذي كان يتصل بالنبي ويبلغه القرآن واحدا وهو جبريل في آية سورة البقرة هذه : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) والروح الأمين في آيات الشعراء هذه : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وروح القدس في آية سورة النحل هذه : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢).
فالمتبادر أن صيغة الجمع لكلمة سفرة وأوصاف السفرة هي بقصد تعظيم شأن ملك اللّه جريا على أسلوب التخاطب البشري عامة والعربي خاصة. (١)
قوله تعالى :« كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ».. أي ليس الأمر كما تصورته أنت أيها النبىّ، ولا على الموقف الذي وقفته هنا..
« إِنَّها تَذْكِرَةٌ » أي إن دعوتك، هى تذكرة للناس، وتنبيه للغافل، وحسب..
وليس لك أن تذهب إلى أبعد من هذا.. فمع كل إنسان عقله الذي يهديه، ومع كل إنسان فطرته التي من شأنها أن تدعوه إلى الحق والخير، وتصرفه عن الضلال والشر..
إن رسالة الرسل ليست إلا إيقاظا لهذا العقل إذا غفل، وإلا تذكيرا لهذه الفطرة إذا نسيت.. وإنه ليكفى لهذا أن يؤذّن مؤذّن الحقّ فى الناس، فمن شاء أجاب، ومن شاء أعرض!.
والضمير فى « ذكره » وهو الهاء، يعود إلى اللّه سبحانه وتعالى، فمن شاء ذكر ربه بهذه التذكرة التي جاءته من آيات اللّه، التي يتلوها عليه رسول اللّه..
قوله تعالى :« فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ ». أي هذه التذكرة ـ وهى آيات اللّه ـ هى فى صحف مكرمة عند اللّه، وهى صحف مطهرة فى مقام عال لا يرقى إليها فيه دنس.. والصحف المكرمة المطهرة، صحف اللوح المحفوظ..
قوله تعالى :« مرفوعة » أي عالية القدر، مطهرة من كل نقص أو عيب..
وقوله تعالى :« بأيدى سفرة » أي أنها محمولة من اللوح المحفوظ إلى رسل اللّه بأيدى ملائكة، يسفرون بها بين اللّه سبحانه وتعالى، وبين رسله، فهم سفراء اللّه إلى الرسل..
والبررة، جمع بارّ، وهو التقىّ النقي، المبرأ من الدنس والرجس..

(١) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (٢ / ١٢٤)


الصفحة التالية
Icon