محمولة بأيدي ملائكة جعلهم اللّه سفراء بينه وبين رسله، وهم كرام على ربهم، كرام عن المعاصي، يرفعون أنفسهم عنها، مطيعون للّه، صادقون للّه في أعمالهم، كما قال تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة ٥٦/ ٧٧- ٧٩].
٤- لعن الإنسان حيث كفر بالقرآن، وما أظلمه حيث أنكر البعث والنشور، فاللّه قادر على إعادته كما قدر على بدء خلقه، فإنه خلقه من ماء يسير مهين، ثم جعله يمر بأطوار بعد كونه نطفة، إلى وقت إنشائه خلقا آخر، وبأحوال من كونه ذكرا أو أنثى أو شقيا أو سعيدا، حسنا أو دميما، قصيرا أو طويلا، فكيف يليق به التكبر والتجبر عن أوامر اللّه ؟ ثم يسر له سلوك طريق الخير والشر، أي بيّن له ذلك، كما قال : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ [الدهر ٧٦/ ٣] وقال : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد ٩٠/ ١٠].
ثم جعل له قبرا يوارى فيه إكراما له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير والسباع. وهذا دليل على أن اللّه سبحانه أمر بدفن الأموات الإنسية تكرمة لهم، سواء أكانوا مؤمنين أم كفارا، دون أن يطرحوا على وجه الأرض، طعمة للسباع، كسائر الحيوان.
ثم إذا شاء اللّه أنشره، أي أحياه بعد موته.
وكل هذه الانتقالات دلالات واضحة على أنه سبحانه إذا شاء أن ينشر الإنسان ببعثه من قبره أنشره. وهذه الانتقالات أو المراتب ثلاث : الأولى- بداية خلقه من ماء مهين، وهذا دليل على زيادة التقرير في التحقير، والثانية المتوسطة- التمييز بين الخير والشر، والثالثة الأخيرة- الإماتة والإقبار، والإنشار، أي الإحياء بعد البعث.
٥ - كل إنسان إلا القليل مقصر في حق اللّه، فلا يقضي أحد ما أمر به، من الإيمان والطاعة، والتأمل في دلائل اللّه، والتدبر في عجائب خلق اللّه وبينات حكمته..
٦- القرآن الكريم كتاب تذكرة وموعظة وتبصرة للناس جميعا، فمن أراد اتعظ بالقرآن وانتفع به وعمل بموجبه. وهذا دليل على حرية الاختيار.
٧- إن رسالة الرسل ليست إلا إيقاظا لهذا العقل إذا غفل، وإلا تذكيرا لهذه الفطرة إذا نسيت.. وإنه ليكفى لهذا أن يؤذّن مؤذّن الحقّ فى الناس، فمن شاء أجاب، ومن شاء أعرض!.
٨- في الآيات استطراد تنديدي بالإنسان الذي يجحد اللّه ويتمرد على أوامره ولا يقوم بواجبه نحوه على ضآلة شأنه في كون اللّه وشمول تصرف اللّه فيه إنشاء وإحياء وإماتة ونشرا بعد الموت حين تشاء حكمته.
ومع احتمال أن يكون التنديد بالكفار على مواقف المكابرة والعناد التي وقفوها فإن أسلوب الآيات المطلق يجعلها في نفس الوقت تنديدا عاما ذا تلقين مستمر المدى بكل إنسان يجحد اللّه ويتمرد عليه كما هو المتبادر.


الصفحة التالية
Icon