روى أن رسول اللّه - ﷺ - حين تألف من تألف من قادة قريش وزعمائها مما أفاء اللّه عليه من أموال هوازن، مثل عيينة بن حصن، وأبى سفيان، ومعاوية، والأقرع بن حابس وغيرهم ـ سأله بعض أصحابه فى شأن جعيل بن سراقة، وأنه من فقراء المسلمين، ومن أهل البلاء فيهم
فقال صلوات اللّه وسلامه عليه :« أما والذي نفسى بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض مثل عيينة والأقرع، ولكن تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه »..
وثانيا : أن هؤلاء المشركين من قريش، لا يرى فيهم الإسلام شيئا يحرص عليه، ويشتدّ طلبه له، وأن أي مسلم من الجماعة التي دخلت فى دين اللّه، وآمنت به، وصدق إيمانها، هو ـ فى ميزان الإسلام شىء ـ عظيم، وأن بشاشة النبىّ فى وجهه لا يحرمه منها طمع فى إسلام هؤلاء المشركين الذين ما زالوا فى قبضة الشرك.. فالأمر هنا موازنة بين مؤمن، تحقّق إيمانه، وبين مشركين مطموع فى إيمانهم.. ومع هذا فإن سبقه إلى الإيمان ـ وبصرف النظر عن تقبّل هؤلاء المشركين للإيمان أو إعراضهم عنه ـ يجعل كفّته راجحة عليهم أبدا، ولن يلحقوا به حتى ولو وقع الإيمان فى قلوبهم مثل ما وقع فى قلبه، ففضل السبق إلى الإيمان، منزلة لا يبلغها إلا أهل السبق.. (١)
هذه هي قصة طعامه. مفصلة مرحلة مرحلة. هذه هي فلينظر إليها؛ فهل له من يد فيها؟ هل له من تدبير لأمرها؟ إن اليد التي أخرجته إلى الحياة وأبدعت قصته، هي ذاتها اليد التي أخرجت طعامه وأبدعت قصته..
﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه ﴾.. ألصق شيء به، وأقرب شيء إليه، وألزم شيء له.. لينظر إلى هذا الأمر الميسر الضروري الحاضر المكرر. لينظر إلى قصته العجيبة اليسيرة، فإن يسرها ينسيه ما فيها من العجب. وهي معجزة كمعجزة خلقه ونشأته. وكل خطوة من خطواتها بيد القدرة التي أبدعته :﴿ أنا صببنا الماء صباً ﴾.. وصب الماء في صورة المطر حقيقة يعرفها كل إنسان في كل بيئة، في أية درجة كان من درجات المعرفة والتجربة. فهي حقيقة يخاطب بها كل إنسان. فأما حين تقدم الإنسان في المعرفة فقد عرف من مدلول هذا النص ما هو أبعد مدى وأقدم عهداً من هذا المطر الذي يتكرر اليوم ويراه كل أحد. وأقرب الفروض الآن لتفسير وجود المحيطات الكبيرة التي يتبخر ماؤها ثم ينزل في صورة مطر، أقرب الفروض أن هذه المحيطات تكونت أولاً في السماء فوقنا ثم صبت على الأرض صباً!
وفي هذا يقول أحد علماء العصر الحاضر :« إذا كان صحيحاً أن درجة حرارة الكرة الأرضية وقت انفصالها عن الشمس كانت حوالي ١٢ ٠٠٠ درجة. أو كانت تلك درجة حرارة سطح