قَدْ عَرَفْنَا فَمَا الْأَبُّ ؟ ثُمَّ نَقَضَ عَصًا كَانَتْ فِي يَدِهِ، فَقَالَ: هَذَا لَعَمْرُ اللهِ التَّكَلُّفُ اتَّبِعُوا مَا تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ " (١).
ونحن نقطع بتلفيق هذين الخبرين، وإلا كان علينا أن نلغى عقولنا، وأن نعطل مداركنا، ولنا على القطع بتلفيق هذين الخبرين أكثر من شاهد :
فأولا : هذه الآية، فى سورة مكية، ومن أوائل ما نزل بمكة من آيات اللّه.. وهذا يعنى أن هذه الآية كانت على ألسنة السابقين الأولين من المسلمين، كأبى بكر وعمر ـ رضى اللّه عنهما ـ وأنها كانت مما يتلى من آيات اللّه كل يوم مرات كثيرة، وليس يعقل ـ مع هذا ـ أن تظل كلمة « الأب » خفية الدلالة، بين هذه المجموعة من الكلمات التي تعدد نعم اللّه، والأب لا شك نعمة من تلك النعم، وصنف من أصنافها ـ نقول لا يعقل أن تظل هذه الكلمة ـ وهذا شأنها ـ خفيّة الدلالة على أصحاب رسول اللّه، ثم لا يتوجهون إليه ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ بالسؤال عنها، إن كان معناها غائبا عنهم! وثانيا : لا يعقل أيضا أن يمضى العهد المكي، ثم العهد المدني، دون أن تحدّث عمر نفسه هذا الحديث الذي تحدث به عن الأبّ، إلا بعد أن يفارق رسول اللّه ـ - ﷺ - ـ هذه الدنيا، ويلحق بالرفيق الأعلى، ثم يجد عمر هذه الكلمة، وكأنه يتلوها لأول مرة!!
وثالثا : لا يعقل أيضا أن يأتى القرآن الكريم فى معرض آياته التي تحدث المشركين عن نعم اللّه التي أفاضها عليهم، بكلمة لا يعرفون لها مدلولا، ولا يجدون لها فيما بين أيديهم من نعم ـ مكانا!!.
ورابعا : ورد فى الشعر العربي الجاهلى، أكثر من شاهد، يدل على أن العرب كانوا يعرفون كلمة الأب فى قاموس لغتهم، وكانوا يستعملونها فى المعنى المناسب لها..
ومن الأشعار المروية، ما يروى عن الأعشى من قوله فى الفخر :
جذمنا قيس وسعد دارنا ولنا الأبّ بها والمكرع
هذا، ويعلق الإمام محمد عبده، على الرواية المنسوبة إلى سيدنا عمر ابن الخطاب ـ على فرض التسليم بصحتها ـ فيقول : إذا سمعت هذه الروايات، فلا تظنّ أن سيدنا عمر بن الخطاب ينهى عن تتبع معانى القرآن، والبحث عن مشكلاته، ولكنه يريد أن يعلمك أن الذي عليك من حيث أنت مؤمن، إنما هو فهم جملة المعنى.. فالمطلوب منك فى هذه الآيات، هو أن تعلم أن اللّه يمنّ عليك بنعم أسداها إليك فى نفسك، وتقويم حياتك، وجعلها متاعا لك ولأنعامك.. فإذا جاء فى سردها لفظ لم تفهمه، لم يكن من جدّ المؤمن ـ أي من حظه ـ أن