﴿ وإذا الصحف نشرت ﴾ صحف الأعمال. ونشرها يفيد كشفها ومعرفتها، فلا تعود خافية ولا غامضة. وهذه العلنية أشد على النفوس وأنكى. فكم من سوأة مستورة يخجل صاحبها ذاته من ذكراها، ويرجف ويذوب من كشفها! ثم إذا هي جميعها في ذلك اليوم منشورة مشهودة!
إن هذا النشر والكشف لون من ألوان الهول في ذلك اليوم؛ كما أنه سمة من سمات الانقلاب حيث يكشف المخبوء، ويظهر المستور، ويفتضح المكنون في الصدور.
وهذا التكشف في خفايا الصدور يقابله في الكون مشهد مثله :﴿ وإذا السماء كشطت ﴾.. وأول ما يتبادر إلى الذهن من كلمة السماء هو هذا الغطاء المرفوع فوق الرؤوس. وكشطها إزالتها.. فأما كيف يقع هذا وكيف يكون فلا سبيل إلى الجزم بشيء. ولكنا نتصور أن ينظر الإنسان فلا يرى هذه القبة فوقه نتيجة لأي سبب يغير هذه الأوضاع الكونية، التي توجد بها هذه الظاهرة. وهذا يكفي..
ثم تجيء الخطوة الأخيرة في مشاهد ذلك اليوم الهائل المرهوب :﴿ وإذا الجحيم سعرت. وإذا الجنة أزلفت ﴾.. حيث تتوقد الجحيم وتتسعر، ويزداد لهيبها ووهجها وحرارتها.. أما أين هي؟ وكيف تتسعر وتتوقد؟ وبأي شيء تتوقد؟ فليس لدينا من ذلك إلا قوله تعالى :﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾. وذلك بعد إلقاء أهلها فيها. أما قبل ذلك فالله أعلم بها وبوقودها!
وحيث تقرب الجنة وتظهر لروادها الموعودين بها، وتبدو لهم سهولة مدخلها، ويسر ولوجها. فهي مزلفة مقربة مهيأة. واللفظ كأنما يزحلقها أو يزحلق الأقدام بيسر إليها!!
عندما تقع هذه الأحداث الهائلة كلها، في كيان الكون، وفي أحوال الأحياء والأشياء. عندئذ لا يبقى لدى النفوس شك في حقيقة ما عملت، وما تزودت به لهذا اليوم، وما حملت معها للعرض، وما أحضرت للحساب :﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾..
كل نفس تعلم، في هذا اليوم الهائل ما معها وما لها وما عليها.. تعلم وهذا الهول يحيط بها ويغمرها.. تعلم وهي لا تملك أن تغير شيئاً مما أحضرت، ولا أن تزيد عليه ولا أن تنقص منه.. تعلم وقد انفصلت عن كل ما هو مألوف لها، معهود في حياتها أو تصورها. وقد انقطعت عن عالمها وانقطع عنها عالمها. وقد تغير كل شيء وتبدل كل شيء، ولم يبق إلا وجه الله الكريم، الذي لا يتحول ولا يتبدل.. فما أولى أن تتجه النفوس إلى وجه الله الكريم، فتجده سبحانه عندما يتحول الكون كله ويتبدل!
وبهذا الإيقاع ينتهي المقطع الأول وقد امتلأ الحس وفاض بمشاهد اليوم الذي يتم فيه هذا الانقلاب. (١)

(١) - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (٦ / ٣٨٣٧)


الصفحة التالية
Icon