ولكن هل مشيئة العباد مطلقة غير خاضعة لأية قوة أو مشيئة أخرى ؟ الجواب : إن إرادتكم الخير خاضعة لإرادة اللّه ولا تكون إلا بعد مشيئة اللّه رب العالمين، فهو سبحانه الذي يودع في البشر إرادة الخير. فتنصرف همة أصحاب الخير إليه، ولو شاء لسلبكم تلك الإرادة فكنتم كالحيوان.
ولما كان رب العالمين وكان ما نحهم كل ما يتمتعون به كانت إرادة البشر مستندة إلى إرادة اللّه، وهذا معنى قوله تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ فمشيئة العبد في دائرة صغيرة هذه الدائرة داخلة في دائرة مشيئة اللّه الكبرى.
بقيت كلمة أخرى في إقسام اللّه بالكواكب الخنس والكنس، وبالليل والصباح أو بالشمس والقمر أو غير ذلك، والظاهر أن هذا القسم للفت الأنظار إلى تلك الأشياء، وأنها دلائل على قدرة اللّه وبديع نظامه في الكون، ثم جاءت صفات لها كالخنس والكنس توبيخا لمن يعبد الكواكب ببيان بعض صفاتها التي يستحيل معها أن تكون آلهة بل هي مخلوقة متغيرة متحولة من حال إلى حال، مصرفة يصرفها المولى - جل جلاله - واللّه أعلم. (١)
التفسير والبيان :
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ أي أقسم بجميع الكواكب التي تخنس أي تختفي بالنهار تحت ضوء الشمس، والتي تجري في أفلاكها، وتكنس بالليل، أي تظهر بالليل في أماكنها، كما تظهر الظباء من كنسها، أي بيوتها، وهي جمع كناس : وهو الذي يختفي فيه الوحش. وقوله : فَلا أُقْسِمُ يراد بها القسم في أسلوب العرب، ويراد بها تأكيد الخبر، كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم. وإنما أقسم سبحانه بهذه الكواكب، لما في تبدل أحوالها من الظهور والخفاء من الدلالة على قدرة مبدعها ومصرّفها.
ويرى الجمهور : أن المراد بها الكواكب السيارة كلها، ويرى بعضهم أنها ما عدا الشمس والقمر.
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أي والليل إذا أقبل بظلامه، لما فيه من الرهبة، وهذا هو الأولى، أو أدبر وولى، لما في إدباره من كشف الغمة. والصبح إذا اقبل وأضاء بنوره الأفق لأنه يقبل بروح نشطة ونسيم عليل.
قال ابن كثير : عَسْعَسَ : أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار أيضا، لكن الإقبال هاهنا أنسب، كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى [الليل ٩٢/ ١- ٢] وقال تعالى : وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى

(١) - التفسير الواضح، ج ٣، ص : ٨٣١


الصفحة التالية
Icon