وفي هذه الآيات قسم بالمشاهد الكونية المذكورة وحركاتها بأن الذي يبلغ وحي اللّه هو رسول كريم أمين على ما ينقل قوي على حمل الأمانة حظي عند اللّه، وبأن النبي - ﷺ - ليس مجنونا وبأنه قد رأى ملك اللّه في أفق السماء، وبأنه صادق فيما يقول غير متهم في أمانته، وغير مخف شيئا مما رآه وسمعه وعرفه، وبأن ما يبلغه ليس من تخليط الشيطان الرجيم وأقواله.
وسألت إحدى الآيات السامعين أين يذهبون في أمر النبي وماذا يظنون؟
والسؤال ينطوي على تنديد بالمكذبين والمترددين في تصديق ما أخبر به النبي - ﷺ - وبأوهامهم وتفسيراتهم الخاطئة لما يخبر به من المشاهد الروحانية. ونبهت إحدى الآيات على أن ما يبلغه إنما هو تذكرة لهم وموعظة ليرى من شاء الحق فيتبعه ويستقيم عليه فيكون قد اهتدى بهدى اللّه ومشيئته التي تناط بها مشيئة الناس.
والآيات فصل مستقل الموضوع عن سابقاتها، غير أن الارتباط بينها وبين هذه السابقات قائم. فالأولى تخبر بيوم القيامة وأهواله ونتائجه وتنذر الناس بعواقب أعمالهم، والثانية تؤكد صدق الأخبار والإنذار وترد على الكفار ما يقولونه في صددهما وما ينسبونه إلى النبي - ﷺ - من تخليط الشياطين عليه، والمرجح أن الفصلين نزلا متتابعين إن لم يكونا قد نزلا معا.
وقد ذكر المفسرون عدة وجوه في صدد حرف «لا» الذي سبق فعل القسم فقالوا إنه قد يكون مختصرا من «ألا» التنبيهية أو قد يكون حرف ابتداء فقط أي لأقسم بمعنى إني لأقسم، أو قد يكون حرف نفي، ليفيد أن الأمر المذكور صحيح وواضح لا يحتاج إلى القسم، أو قد يكون زائدا وليس حرف نفي. وقد أسهبنا في ذكر الوجوه لأن هذا قد تكرر أكثر من مرة في معرض التوكيد والقسم. ومهما يكن من أمر فالجملة قسمية على ما تلهمه روح الآيات. ولا شك أن هذا من الأساليب التي كانت مستعملة في كلام العرب. وفي سورة الواقعة هاتان الآيتان : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)، وفيهما صراحة بأن الجملة قسمية.
ولم نطلع على رواية تذكر سبب نزول هذه الآيات. والمتبادر أنها نزلت ردّا على أقوال تقولها الكفار والجاحدون. وقد انطوت على ردّ قوي يوحي بصدق ما أخبر به النبي - ﷺ - وعمق إيمانه به واستناده فيه على الحقيقة الواقعة التي أدركها بالقوة التي اختصه اللّه بها، ويقضي على أي شك في نفس كل امرئ حسنت نيته ورغب عن المماراة بالباطل.
ونفي الآيات الجنون عن النبي - ﷺ - وصلة الشيطان بما يبلغه دليل على أن المكذبين كانوا يقولون إن ما يخبر به هو من تلقينات الشيطان. ويقصدون بذلك الجن على الأرجح لأن العرب كانوا يعتقدون أن شياطين الجن يوحون إلى الشعراء والكهان والسحرة. وقد يأتي على البال من هذا أن المكذبين كانوا حينما ينعتون النبي - ﷺ - بالمجنون، ويقولون إن به جنّة على ما حكته آيات عديدة منها آية سورة المؤمنون هذه : أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ