ويذكر صفة هذا الرسول، الذي اختير لحمل هذا القول وإبلاغه.. ﴿ كريم ﴾ عند ربه. فربه هو الذي يقول.. ﴿ ذي قوة ﴾.. مما يوحي بأن هذا القول يحتاج في حمله إلى قوة. ﴿ عند ذي العرش مكين ﴾.. في مقامه ومكانته.. وعند من؟ عند ذي العرش العلي الأعلى. ﴿ مطاع ثم ﴾ هناك في الملأ الأعلى. ﴿ أمين ﴾.. على ما يحمل وما يبلغ..
وهذه الصفات في مجموعها توحي بكرامة هذا القول وضخامته وسموه كذلك وارتفاعه. كما توحي بعناية الله سبحانه بالإنسان، حتى ليختار هذا الرسول صاحب هذه الصفة ليحمل الرسالة إليه، ويبلغ الوحي إلى النبي المختار منه.. وهي عناية تخجل هذا الكائن، الذي لا يساوي في ملك الله شيئاً، لولا أن الله سبحانه يتفضل عليه فيكرمه هذه الكرامة!
فهذه صفة الرسول الذي حمل القول وأداه، فأما الرسول الذي حمله إليكم فهو ﴿ صاحبكم ﴾.. عرفتموه حق المعرفة عمراً طويلاً. فما لكم حين جاءكم بالحق تقولون فيه ما تقولون. وتذهبون في أمره المذاهب، وهو ﴿ صاحبكم ﴾ الذي لا تجهلون. وهو الأمين على الغيب الذي يحدثكم عنه عن يقين :﴿ وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين. وما هو على الغيب بضنين. وما هو بقول شيطان رجيم. فأين تذهبون؟ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾..
ولقد قالوا عن النبي الكريم الذي يعرفونه حق المعرفة، ويعرفون رجاحة عقله، وصدقه وأمانته وتثبته، قالوا عنه : إنه مجنون. وإن شيطاناً يتنزل عليه بما يقول. قال بعضهم هذا كيدا له ولدعوته كما وردت بذلك الأخبار. وقاله بعضهم عجباً ودهشة من هذا القول الذي لا يقوله البشر فيما يألفون ويعهدون. وتمشياً مع ظنهم أن لكل شاعر شيطاناً يأتيه بالقول الفريد. وأن لكل كاهن شيطاناً يأتيه بالغيب البعيد. وأن الشيطان يمس بعض الناس فينطق على لسانهم بالقول الغريب! وتركوا التعليل الوحيد الصادق، وهو أنه وحي وتنزيل من رب العالمين.
فجاء القرآن يحدثهم في هذا المقطع من السورة عن جمال الكون البديع، وحيوية مشاهده الجميلة. ليوحي إلى قلوبهم بأن القرآن صادر عن تلك القدرة المبدعة، التي أنشأت ذلك الجمال. على غير مثال. وليحدثهم بصفة الرسول الذي حمله، والرسول الذي بلغه. وهو صاحبهم الذي عرفوه. غير مجنون. والذي رأى الرسول الكريم جبريل حق الرؤية، بالأفق المبين الواضح الذي تتم فيه الرؤية عن يقين. وأنه - ﷺ - لمؤتمن على الغيب، لا تظن به الظنون في خبره الذي يرويه عنه، فما عرفوا عنه إلا الصدق واليقين. ﴿ وما هو بقول شيطان رجيم ﴾ فالشياطين لا توحي بهذا النهج القويم. ويسألهم مستنكراً :﴿ فأين تذهبون؟ ﴾.. أين تذهبون في حكمكم وقولكم؟ أو أين تذهبون منصرفين عن الحق وهو يواجهكم أينما ذهبتم!


الصفحة التالية
Icon