ويصله بالملأ الأعلى، ويهيئه للحياة المرسومة بحياة الجنان والخلود. وللنظر إلى الجمال الإلهي في ذلك العالم السعيد!
هذا الروح هو هبة الله الكبرى لهذا الإنسان. وهو الذي به صار إنساناً. وهو الذي يخاطبه باسمه :﴿ يا أيها الإنسان ﴾.. ويعاتبه ذلك العتاب المخجل! ﴿ ما غرك بربك الكريم؟ ﴾ هذا العتاب المباشر من الله للإنسان. حيث يناديه سبحانه فيقف أمامه مقصراً مذنباً مغتراً غير مقدر لجلال الله، ولا متأدب في جنابه.. ثم يواجهه بالتذكير بالنعمة الكبرى. ثم بالتقصير وسوء الأدب والغرور!
إنه عتاب مذيب.. حين يتصور « الإنسان » حقيقة مصدره، وحقيقة مخبره، وحقيقة الموقف الذي يقفه بين يدي ربه، وهو يناديه النداء، ثم يعاتبه هذا العتاب :﴿ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم.
الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك ﴾.. (١)
ما ترشد إليه الآياتُ :
١- إن من علامات يوم القيامة تبدل النظام الكوني، بتشقق السماء، وتساقط الكواكب، وتفجير البحار بعضها في بعضها، حتى تصير بحرا واحدا، ثم توقد حتى تصير نارا تضطرم، وبعثرة القبور وإخراج موتاها منها.
٢- إذا حدثت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة، حصل الحشر والنشر، وختمت صحائف الأعمال، فعلمت كل نفس ما كسبت، ووجدت ما قدمت من خير أو شر، وحوسبت كل نفس بما عملت، وأوتيت كتابها بيمينها أو بشمالها، فتذكرت عند قراءته جميع أعمالها، ولم يعد ينفعها عمل بعد ذلك.
٣- التحذير من السنَّة السيئة يتركها المرء بعده فإِن أوزارها تكتب عليه وهو في قبره.
٤- مسكين هذا الإنسان لا يشكر نعم ربّه بإطاعة أوامره، ولا يدخر من العمل الصالح ما يفيده في سفينة النجاة في آخرته، وغرّه كرم اللّه الذي تجاوز عنه في الدنيا، أو حمقه وجهله، أو شيطانه المسلط عليه. وقَالَ سُفْيَانُ : سَمِعَ عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، رَجُلًا يَقُولُ : يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، فَقَالَ عُمَرُ : الْجَهْلُ " حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (٢)، كما قال تعالى : إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الأحزاب ٣٣/ ٧٢]. وقيل للفضيل بن عياض : لو أقامك اللّه تعالى يوم القيامة بين يديه، فقال لك : ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ؟ ماذا كنت تقول ؟ قال : كنت أقول : غرّني ستورك المرخاة لأن الكريم هو الستّار.
(٢) - حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (٦٧٩٥ ) فيه انقطاع