الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلّا عند إحدى ثلاث حالات الغائط والجنابة والغسل. فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره». ومنها حديث عن أنس قال :
«قال رسول اللّه - ﷺ - ما من حافظين يرفعان إلى اللّه عزّ وجلّ ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارا إلّا قال اللّه تعالى قد غفرت لعبدي ما بين طرفيّ الصحيفة». وحديث عن أبي هريرة قال :«قال رسول اللّه - ﷺ - إنّ للّه ملائكة يعرفون بني آدم، وأحسبه قال ويعرفون أعمالهم فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة اللّه ذكروه بينهم وسمّوه وقالوا أفلح الليلة فلان. نجا الليلة فلان. وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية اللّه ذكروه بينهم وسمّوه وقالوا هلك الليلة فلان».
ولقد علقنا على هذا الموضوع في سياق سورة (ق) فلا نرى ضرورة لتعليق آخر. ومع التنبيه على أن هذه الأحاديث لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة فإنها يلمح فيها قصد التأديب والتنبيه فإن صحّت فيكون من جملة مقاصدها هذا القصد. واللّه تعالى أعلم.
وفي هذه الآيات الأخيرة بيان لمصير الناس يوم الجزاء وإنذار بخطورته. فالأبرار الصالحون في النعيم، والفجار الآثمون في الجحيم. وهي مصيرهم الذي لا مفلت لهم منه حتما في ذلك اليوم العظيم الخطر الذي يكون الأمر فيه للّه وحده، والذي لا يستطيع فيه أحد أن ينفع أحدا ولا تغني فيه نفس عن نفس.
والاتصال بين هذه الآيات وسابقاتها قائم موضوعا وسياقا كما هو المتبادر.
ومع واجب الإيمان بما احتوته من مشهد أخروي فالمتبادر من العبارة القرآنية أن من حكمتها تعظيم يوم القيامة وحسابه وتوكيده وترغيب المؤمنين وترهيب الكفار.
والمؤمنون مندمجون في تعبير الأبرار. والكفار مندمجون في تعبير الفجّار.
غير أن المتبادر أنه قد أريد بوصف المؤمنين بالأبرار والكفار بالفجّار تلقين كون الإيمان الصادق يوجّه صاحبه نحو الخير والبر، بينما الكفر يوجه صاحبه نحو الإثم والفجور. (١)
« كلا » رد على جواب مفترض، ينبغى أن يجيب به الناس على قوله تعالى :« يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » وهو قولهم : لم نغتر بكرمك يا كريم.. فجاء الرد عليهم « كلا » لقد غرّكم كرمى.. وإلا فلما ذا « تكذّبون بيوم الدين » ؟ أليس تكذيبكم بما جاءت به رسل اللّه إليكم، مع مواصلة إحسانى إليكم، وتوالى نعمى عليكم ـ أليس ذلك منكم اغترارا بكرمى؟