لهم عن رتبة الاعتبار، بل عن درجة الإنسانية. وفي هذا الإنكار والتعجيب، وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظيم، وقيام الناس فيه لرب العالمين، بيان بليغ لعظم هذا الذنب. ويلاحظ أن المطففين إن كانوا من أهل الإسلام، فالظن بمعنى اليقين أو العلم، وإن كانوا كفارا منكري البعث، فالظن بمعناه الأصلي، والمراد : هب أنهم لا يقطعون بالبعث، أفلا يظنونه أيضا، كقوله : إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية ٤٥/ ٣٢].
فيا فزعك وقد فزع الخلائق مخافة أن يكونوا أمروا بهم، مسألتهم إياهم: أفيكم ربنا ؟ ففزع الملائكة من سؤالهم إجلالا لمليكهم أن يكون فيهم، فنادوا بأصواتهم تنزيلا لما توهمه أهل الأرض: سبحان ربنا ليس هو بيننا فهو آت، حتى أخذوا مصافهم محدقين بالخلائق منكسين رؤوسهم في عظم خلقهم بالذل والمسكنة والخشوع لربهم، ثم كل شيء على ذلك وكذلك إلى السماء السابعة كل أهل سماء مضعفين بالعدد وعظم الأجساد، وكل أهل سماء محدقين بالخلائق صفا حتى إذا وافى الموقف أهل السماوات السبع والأرضين السبع كسيت الشمس حر عشر سنين وأدنيت رؤوس الخلائق قاب قوس أو قوسين، ولا ظل لأحد إلا ظل رب العالمين، فمن بين مستظل بظل العرش، وبين مضحو بحر الشمس، قد صهرته بحرها واشتد كربه وقلقه من وهجها، ثم ازدحمت الأمم وتدافعت، فدفع بعضهم بعضا وتضايقت فاختلفت الأقدام وانقطعت الأعناق من العطش واجتمع حر الشمس ووهج أنفاس الخلائق وتزاحم أجسامهم ففاض العرق سائلا حتى استنقع على وجه الأرض ثم على الأبدان على قدر مراتبهم ومنازلهم عند الله عز وجل بالسعادة والشقاء، حتى إذا بلغ من بعضهم العرق كعبيه، وبعضهم حقويه، وبعضهم غلى شحمة أنه، ومنهم من كاد أن يغيب في عرقه ومن قد توسط العرق من دون ذلك منه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ النَّبِىَّ - ﷺ - قَالَ « ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِى رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ » (١).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:"إِنَّ الْكَافِرَ لَيُلْجَمُ بِعَرَقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ طُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، حَتَّى يَقُولَ: رَبِّ أَرِحْنِي، وَلَوْ إِلَى النَّارِ النَّارِ". (٢).
وقَالَ المِقْدَادُ، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ :" " إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ العِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قِيدَ مِيلٍ أَوْ اثْنَيْنِ " " - قَالَ سُلَيْمٌ : لَا أَدْرِي أَيَّ الْمِيلَيْنِ عَنَى ؟ أَمَسَافَةُ الْأَرْضِ، أَمُ الْمِيلُ الَّذِي يُكْحَلُ بِهِ الْعَيْنُ ؟ - قَالَ :" " فَتَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي العَرَقِ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ

(١) - صحيح البخارى(٤٩٣٨ ) ومسلم (٧٣٨٢ )
(٢) - المعجم الكبير للطبراني - (ج ٨ / ص ٦٦) (٨٦٩١ ) صحيح


الصفحة التالية
Icon