جميع أعمالهم ليحاسبوا بها، فويل للمكذبين بيوم الجزاء، وما يكذب به إلا كل من تجاوز حدود الدين وانتهك حرماته، وإذا تليت عليهم آيات القرآن قالوا ما هى إلا أقاصيص الأولين نقلها محمد عن السابقين، وليست وحيا يوحى كما يدعى. (١)
الويل والهلاك للمكذبين، الذين يكذبون بيوم الدين، ومنشأ ذلك هو كثرة الاعتداء وتجاوز الحدود، وارتكاب الآثام والشرور ولذا يقول اللّه : وما يكذب به إلا كل معتد أثيم، وتأويل ذلك أن النفس التي اعتادت الظلم والطغيان والبغي والاسترسال في الشرور والآثام يصعب عليها جدا الإذعان لأخبار الآخرة والتصديق بها، فإن تصديقها - مع هذه الأعمال - حكم صريح عليها بالسفه والجنون، وهذه النفس تكون جامحة طامحة، فصاحبها يعللها، ويهون عليها الأمر بالتغافل والتكذيب بيوم القيامة، أو التعلق بالأمانى الباطلة. تلك حقائق قرآنية نادى بها العلم الحديث فلذلك إذا تليت آيات القرآن التي تنادى بإثبات البعث على هذه النفس لم يكن منها إلا أن تقول : تلك أساطير الأولين وأكاذيبهم، حكيت لنا وأثرت عنهم، ولكنها أحاديث لا حقيقة لها، ولا تستحق النظر.
« كلا » ليست آيات القرآن أساطير، وإنما هي الحق لا مراء فيه، إنما دفعهم إلى هذا وجرأهم عليه أعمالهم السيئة التي مرنوا عليها ودربوا حتى اسودت قلوبهم، وران عليها الفساد فلم تعد تبصر الخير على أنه خير، فإن الرين الذي ينشأ عن الذنب كالصدإ على المرآة، والتوبة تجلوه : ومداومة العمل الفاسد تجعل الفساد ملكة عند الإنسان فيعمل الشر بلا تفكير ولا روية، وذلك هو الرين أو الطبع أو القفل.
كان الكفار لسوء تفكيرهم، وغرورهم بأنفسهم يقولون : إن كان محمد صادقا في أن هناك بعثا، فنحن في المنزلة العليا والدرجة الرفيعة، وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ « ١ ».
وهنا بين اللّه للكفار الفجار منزلتهم يوم القيامة فقال : إنهم عند ربهم يومها لمحجوبون عن رؤيته، ولممنوعون عن خيره وبره، ثم إنهم يومها لداخلون جهنم، وذائقون حرها وجحيمها، ثم يقال لهم من قبل الملائكة تأنيبا وتوبيخا : هذا هو العذاب والجزاء الحق الذي كنتم إذا سمعتم خبره تكذبون به وتكفرون، وها أنتم أولاء قد عاينتموه بأنفسكم بل وذقتم مره! « كلا » ردع لهم عما هم فيه ليعقب بوعد الأبرار كما عقب سابقا بوعيد الفجار، إن كتاب الأبرار لفي عليين، نعم كتاب حسناتهم مسجل في ديوان عمل الأبرار.

(١) - تفسير المراغي، ج ٣٠، ص : ٧٥


الصفحة التالية
Icon