من شدّة العناد والمكابرة حين نزولها من جهة أخرى، والإنذار متحقق بالنسبة للذين ظلوا على كفرهم وإثمهم.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ « إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِى قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَهُوَ الرَّانُ الَّذِى ذَكَرَ اللَّهُ ( كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) »سنن الترمذى (١).
حيث ينطوي في الحديث تفسير وتبشير وإنذار معا. وقد أورد المفسرون أقوالا لابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم تفيد أن القصد من الجملة هو بيان ما يحدثه الكفر والآثام في قلب صاحبها من تحجّر وانغلاق وموتان. (٢)
وقوله تعالى :« كَلَّا.. إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ».. كلّا هو رد على قوله تعالى :« أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ؟ ».. وكلا.. إنهم لا يظنون أنهم مبعوثون، ولو ظنوا أنهم مبعوثون ما فعلوا هذا الذي فعلوه من التطفيف فى الكيل والميزان..
وقوله تعالى :« كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ » ـ هو إشارة إلى أن هؤلاء المطففين من الفجار، الذين خرجوا على حدود اللّه، وأن كتابهم الذي سجلت فيه أعمالهم المنكرة، كتاب منكر، فى مكان منكر.
والسجّين : مكان مطبق، مغلق على هذا الكتاب، وهو مبالغة من السجن، وهو الحبس.. وفى هذا إشارة إلى أن هذا الكتاب ـ لما يضم من شنائع ومنكرات ـ قد ألقى به فى مكان بعيد عن الأعين، كما تلقى الجيف، أو يردم على الرمم.
وقوله تعالى :« وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ » تهويل، وتشنيع، على هذا المكان الذي ضمّ هذا الكتاب العفن، الذي تفوح منه رائحة هذه المنكرات الخبيثة..
وقوله تعالى :« كِتابٌ مَرْقُومٌ » هو بدل من « سجين ».
. حيث يدل ذلك على أن هذا الكتاب المنكر، والمكان الذي ألقى فيه، قد صار شيئا واحدا، هو هذا الكتاب المرقوم، أي الموسوم بتلك العلامات، والشواهد الدالة على ما ضم عليه من آثام ومنكرات..
قوله تعالى :« وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ » هو تهديد ووعيد لهؤلاء الذين يكذبون بالبعث، ولا يظنون أنهم مبعوثون ليوم عظيم.. إن لهم الويل، والهلاك، والعذاب الأليم فى هذا اليوم العظيم، الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين..
وقوله تعالى :« وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ »

(١) - سنن الترمذى (٣٦٥٤ ) قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.-الران : الغطاء -سقل : جلا
(٢) - التفسير الحديث، ج ٥، ص : ٥١١


الصفحة التالية
Icon