أي وليس حجبهم عن اللّه سبحانه وتعالى فى الآخرة، وبعدهم عن مواقع رحمته، هو كل جزائهم فى الآخرة، وإن كان جزاء أليما، وعقابا زاجرا، بل إن وراء هذا نارا تلظّى، يلقون فيها، ويكونون حطبا لها.. ثم لا يتركون هكذا للنار تأكلهم، وترعى فى أجسامهم، بل ينخسون بهذه القوارع، بما يرجمون به من كل جانب، من ملائكة جهنم وخزنتها بقولهم لهم :« ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ » فذوقوه لتعلموا إن كان ما كذبتم به حقا أو غير حق، واقعا أو غير واقع :« فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا » ؟ (٤٤ : الأعراف) (١)
إنهم لا يظنون أنهم مبعوثون ليوم عظيم.. فالقرآن يردعهم عن هذا ويزجرهم، ويؤكد أن لهم كتاباً تحصى فيه أعمالهم.. ويحدد موضعه زيادة في التوكيد. ويوعدهم بالويل في ذلك اليوم الذي يعرض فيه كتابهم المرقوم :﴿ كلا. إن كتاب الفجار لفي سجين. وما أدراك ما سجين؟ كتاب مرقوم. ويل يومئذ للمكذبين ﴾ !.
والفجار هم المتجاوزون للحد في المعصية والإثم. واللفظ يوحي بذاته بهذا المعنى. وكتابهم هو سجل أعمالهم. ولا ندري نحن ماهيته ولم نكلف هذا. وهو غيب لا نعرف عنه إلا بمقدار ما يخبرنا عنه صاحبه ولا زيادة فهناك سجل لأعمال الفجار يقول القرآن : إنه في سجين. ثم يسأل سؤال الاستهوال المعهود في التعبير القرآني :﴿ وما أدراك ما سجين؟ ﴾ فيلقي ظلال التفخيم ويشعر المخاطب أن الأمر أكبر من إدراكه، وأضخم من أن يحيط به علمه. ولكنه بقوله :﴿ إن كتاب الفجار لفي سجين ﴾ يكون قد حدد له موضعاً معيناً، وإن يكن مجهولاً للإنسان. وهذا التحديد يزيد من يقين المخاطب عن طريق الإيحاء بوجود هذا الكتاب. وهذا هو الإيحاء المقصود من وراء ذكر هذه الحقيقة بهذا القدر، دون زيادة.
ثم يعود إلى وصف كتاب الفجار ذاك فيقول : إنه ﴿ كتاب مرقوم ﴾.. أي مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا ينقص منه، حتى يعرض في ذلك اليوم العظيم.
فإذا كان ذلك : كان ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ !
ويحدد موضوع التكذيب، وحقيقة المكذبين :﴿ الذين يكذبون بيوم الدين. وما يكذب به إلا كل معتد أثيم. إذا تتلى عليه آياتنا قال : أساطير الأولين ﴾.. فالاعتداء والإثم يقودان صاحبهما إلى التكذيب بذلك اليوم؛ وإلى سوء الأدب مع هذا القرآن فيقول عن آياته حين تتلى عليه :﴿ أساطير الأولين ﴾.. لما يحويه من قصص الأولين المسوقة فيه للعبرة والعظة، وبيان سنة الله التي لا تتخلف، والتي تأخذ الناس في ناموس مطرد لا يحيد.
ويعقب على هذا التطاول والتكذيب بالزجر والردع :﴿ كلا! ﴾ ليس كما يقولون..