هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ أي هل أثيب وجوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والطعن والتنقيص، أم لا ؟ نعم، قد جوزي الكفار أتم الجزاء بما كان يقع منهم في الدنيا من الضحك من المؤمنين والاستهزاء بهم. والثواب : من ثاب يثوب : إذا رجع، فالثواب : ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويستعمل في الخير والشر. والاستفهام بمعنى التقرير للمؤمنين، أي هل جوزوا بها ؟.
ومضات :
في هذه الآيات حكاية لموقف الكفار من المؤمنين في الدنيا وموقف المؤمنين من الكفّار في الآخرة، فقد كان المجرمون يسخرون من المؤمنين ويتغامزون عليهم كلما مروا بهم ويرمونهم بالضلال مع أنهم ليسوا عليهم وكلاء ولا حفّاظا. ثم يعودون إلى أهلهم وقد شفوا نفوسهم واغتروا بباطلهم. ولسوف ينقلب الأمر إلى عكسه يوم القيامة حيث يفوز المؤمنون بالعاقبة السعيدة ويتمتعون بمنازل النعيم ويقفون من الكفار موقف الساخر الشامت لما صاروا إليه من مصير رهيب.
وقد جاءت الآية الأخيرة بمثابة التعقيب متسائلة عما إذا لم يكن الكفار بما صاروا إليه قد جوزوا الجزاء الحقّ على ما كانوا يفعلونه. وقد تضمنت جوابا إيجابيا على السؤال.
والآيات جاءت في معرض التعقيب على الآيات السابقة. وانطوت على التنديد بالكفار والبشرى للمؤمنين كما هو المتبادر. وفيها صورة لما كان عليه موقف الكفار من المؤمنين في مكة وقد جاءت ختاما للسورة وهو ختام مشابه لخواتم سور عديدة أخرى.
وقد تكون الصورة التي احتوتها الآيات بنوع خاص قرينة على ما نبهنا إليه من احتمال عدم صحة ترتيب السورة كآخر السور نزولا، ورجحان نزولها مبكرة بالإضافة إلى مضامين السورة وأسلوبها بصورة عامة. (١)
قوله تعالى :« إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ـ وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ » هو عودة بالمشركين، المجرمين إلى الحياة الدنيا، وإلى مكانهم الذي زايلوه فيها، بعد هذه النّقلة السريعة التي انتقلوا بها إلى الدار الآخرة، وشهدوا فيها ما أعد لهم هناك من عذاب ونكال..
وإذ يعود المجرمون إلى مكانهم من دنياهم، يرون بين أيديهم مشهدا من تلك المشاهد المتكررة التي يعيشون فيها مع أهل الإيمان والإحسان.. إنهم يتخذون من المؤمنين مسرحا للضحك منهم، والسخرية بهم، فإذا مرّ بهم المؤمنون تغامزوا، أي غمز بعضهم بعضا، بإشارات من