﴿ بلى إن ربه كان به بصيراً ﴾.. إنه ظن أن لن يحور. ولكن الحقيقة أن ربه كان مطلعاً على أمره، محيطاً بحقيقته، عالماً بحركاته وخطواته، عارفاً أنه صائر إليه، وأنه مجازيه بما كان منه.. وكذلك كان، حين انتهى به المطاف إلى هذا المقدور في علم الله. والذي لم يكن بد أن يكون! (١)
ما ترشد إليه الآياتُ
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء ببيان مقدماته في انقلاب الكون، فمن علامات القيامة : أولا- تصدع السماء وتفطرها بالغمام، والغمام مثل السحاب الأبيض، وثانيا- بسط الأرض ودكّ جبالها، وإخراج أمواتها، وتخليها عنهم، وكل من السماء والأرض تصغي وتسمع وتنقاد وتخضع لأمر ربها، وحق لها أن تسمع أمره.
٢- يكدح كل إنسان ويتعب في حياته، ثم يرجع يوم القيامة بعمله إلى ربه رجوعا لا محالة، فملاق ربه، أو ملاق عمله. قال قتادة : يا ابن آدم، إن كدحك لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة اللّه، فليفعل، ولا قوة إلا باللّه. وهذا دليل على أن الدنيا دار عناء وتعب ولا راحة ولا فرح فيها.
٣- كلُّ إنسان مكلف بالعقل والبلوغ فهو عامل وكاسب لا محالة إلى أن يموت ويلقى ربه.
٤- أهل الإِيمان والتقوى يحاسبون حسابا يسيرا.
٥- التنعم في الدنيا والانكباب على شهواتها وملاذها مع ترك الطاعات والصالحات ثمرة عدم الإِيمان أو اليقين بالبعث والجزاء
٦- الناس فريقان يوم القيامة : سعداء مؤمنون وأشقياء كفار، أما الفريق الأول : فهم الذين يعطون كتب أعمالهم بأيمانهم، ويعرضون على ربهم عرضا لا مناقشة فيه، ويتجاوز اللّهعنهم، ويرجعون إلى عشيرتهم مسرورين، فاللهم اجعلنا منهم.
وأما الفريق الثاني : فهم الذين يتناولون كتب أعمالهم بشمائلهم مباشرة، أو بشمائلهم من وراء ظهورهم، فينادون بالهلاك على أنفسهم، فيقول الواحد منهم : يا ويلاه، يا ثبوراه، والثبور : الهلاك والخسارة، ثم يدخلون النار حتى يصلوا حرّها.
وسبب خسار هذا الفريق : البطر في الدنيا، وإنكار المعاد والحساب والجزاء والثواب والعقاب، واللّه خبير بهم، عليم بأن مرجعهم إليه.
والفرح المنهي عنه : ما يتولد من البطر والترفه، لا الذي يكون من الرضى بالقضاء ومن حصول بعض الكمالات والفضائل النفسية لقوله تعالى : قُلْ : بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس ١٠/ ٥٨].