وذكر العرش هنا يأتي للمرة الثانية، ولقد علقنا على هذا الموضوع في سياق سورة التكوير بما يغني عن التكرار إلّا أن نقول إن الأسلوب الذي جاء به هنا أيضا يؤيد ما نبهنا عليه في ذلك التعليق من الحكمة المنطوية في ذكر العرش وهو قصد بيان عظمة شأن اللّه تعالى.
وفتنة المؤمنين في العهد المكي ذكرت في غير هذه السورة أيضا. وذكرها في هذه السورة المبكرة في النزول يدل على أنها قد بدأت منذ عهد مبكر من الدعوة، ولقد رويت روايات عديدة في سياقها كما وردت أيضا آيات في القرآن تشير إلى بعض نتائجها. ويستفاد من هذه وتلك أن الأرقاء والمستضعفين من المسلمين الأولين هم الذين تعرضوا لها في الدرجة الأولى وأنها كانت مع ذلك تشمل المؤمنين من الأسر القرشية البارزة وأنه كان من صورها أن يعرى المسلمون ويطرحون فوق الرمال والصخور الشديدة الوهج من حرارة الشمس وتوضع على أجسادهم الصخور الثقيلة ويمنع عنهم الماء والطعام ساعات طويلة أو أياما عديدة وكانت تقيد أيديهم وأرجلهم بقيود الحديد ويجلدون شديد الجلد، وأنه قد زهقت بسبب العذاب أرواح فضرب أصحابها الشهداء مثلا خالدا على التمسك بالعقيدة وتحمل أنواع الأذى والتضحية بالنفس في سبيلها والراجح أن آيات سورة البروج هذه تشير إلى هذه المرحلة.
وفي سورة النحل آيتان قد تدلان على أنّ بعض المؤمنين أرغموا على الافتتان والتبرؤ من الإسلام فمنهم من ظل كافرا ومنهم من عاد إلى الإسلام حينما سنحت له الفرصة وفرّ من مكة وهما هاتان :
١- مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦).
٢- ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠).
وقد روى المفسرون أن الاستثناء في الآية الأولى كان لعمار بن ياسر رضي اللّه عنه الذي أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، وأنه قد جاء يبكي للنبي - ﷺ - ويقول له إني نلتك بالشر فقال له مشجعا مطمئنا (إن عادوا لك فعدلهم).
وقد كان بعض أغنياء المسلمين وبخاصة أبا بكر رضي اللّه عنه يشترون بعض الأرقاء المضطهدين من مالكيهم وينقذونهم من المحنة. وقد استمرت المحنة طيلة العهد المكي ثم إلى الفتح المكي في السنة الهجرية الثامنة بالنسبة لمن اضطر إلى البقاء في مكة ومنع الهجرة إلى المدينة. وكانت من أهم الحركات التي سببت للنبي - ﷺ - والمسلمين همّا عظيما. وكان من نتائجها أن هاجر معظم المسلمين رجالا ونساء إلى الحبشة. وآيات سورة النحل هذه : وَالَّذِينَ هاجَرُوا