ما روي عن كعب من أن معنى «أم الكتاب» التي يذكرها المفسرون كمرادفة للوح هو علم اللّه ما هو خالق وما خلقه عاملون.
والإيمان بما جاء في القرآن عن الأمور الغيبية واجب. ومع إيماننا بذلك فلا نرى ما يمنع الأخذ بتفسير كعب لأم الكتاب ولا القول إن اللّه عز وجل منزه عن الحاجة إلى تثبيت كلامه وقرآنه وعلمه ومقدراته وكتابتها ونقشها على ألواح مادية.
وإنه لما كان الناس قد اعتادوا أن يكتبوا وينقشوا ما يريدون تثبيته وحفظه من الأحداث والأفكار على الألواح بالأقلام أو ما يقوم مقامها ولما كانت حكمة التنزيل جرت على استعمال مألوفات البشر في الدنيا في التعبير عن المشاهد الأخروية والغيبية فالذي يتبادر لنا أولا إن اللوح والقلم هما من هذا الباب للتعبير عن علم اللّه الأزلي الأبدي لكل كائن. وثانيا إن من حكمة استعمال كلمة اللوح في صدد القرآن قصد التقريب والتشبيه، وبيان كون القرآن محفوظا حفظا تاما لا يمكن أن يطرأ عليه تبدل ولا تحريف.
وفي سورة الواقعة آيتان عن القرآن مشابهتان لآيتي سورة البروج اللتين نحن في صددهما مع اختلاف في اللفظ وهما هاتان : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) فكريم هنا مقابل مجيد في آيتي البروج. وفي «كتاب مكنون» مقابل «في لوح محفوظ» وهذا الاختلاف اللفظي مع الاتفاق في المعنى يؤيد ما قررناه حيث يمكن أن يكون الكتاب واللوح في معنى واحد ومعرض واحد بقصد التقريب والتشبيه وتوكيد الحفظ التام، واللّه أعلم. (١)
وفى هذا العرض لصفات اللّه ـ سبحانه ـ الجامعة بين القدرة والبطش، وبين المغفرة والود ـ فى هذا وعيد ووعد، وتهديد وترغيب.. فمن خاف وعيد اللّه بالعذاب، تلقاه وعده بالرحمة والرضوان، ومن أفزعه التهديد بالنار وعذابها، آنسه للترغيب بالجنة ونعيمها وقوله تعالى :«هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَ ثَمُودَ ».
هو إلفات إلى طغمة من عتاة الناس وأشرارهم، من الذين استخفوا بقدرة اللّه، ولم يرهبوا سلطانه، فتسلطوا على العباد، وطغوا فى البلاد، فأكثروا فيها الفساد.
والاستفهام هنا : إما أن يكون على حقيقته، ويكون النبي - ﷺ - قد تلقى من آيات ربه قبل ذلك، حديثا عن فرعون، وثمود، وما أخذهم اللّه به من بلاء ونكال، وعلى هذا يكون جواب الاستفهام محذوفا، تقديره.