فإن قيل : نزلت الآلة التي يطبع بها، قيل : فالله أخبر أنه أنزل الحديد لهذه المعاني المتقدمة والآلة وحدها لا تكفي، بل لابد من مادة يصنع بها آلات الجهاد، لكن لفظ النزول أشكل على كثير من الناس حتى قال قُطْرُب ـ رحمه الله ـ : معناه جعله نزلا، كما يقال : أنزل الأمر على فلان نزلا حسنا : أي جعله نزلا. قال : ومثله قوله تعالى :﴿ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ [ الزمر : ٦ ] وهذا ضعيف؛ فإن النزل إنما يطلق على ما يؤكل لا على ما يقاتل به، قال الله تعالى :﴿ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴾ [ الواقعة : ٩٣ ]، والضيافة سميت نزلا؛ لأن العادة أن الضيف يكون راكبًا فينزل في مكان يؤتي إليه بضيافته فيه، فسميت نزلا لأجل نزوله، ونزل ببني فلان ضيف؛ ولهذا قال نوح ـ عليه السلام ـ :﴿ وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ﴾ [ المؤمنون : ٢٩ ] ؛ لأنه كان راكبًا في السفينة، وسميت المواضع التي ينزل بها المسافرون منازل؛ لأنهم يكونون ركبانا فينزلون والمشاة تبع للركبان، وتسمى المساكن منازل.
وجعل بعضهم نزول الحديد بمعنى الخلق لأنه أخرجه من المعادن وعلمهم صنعته، فإن الحديد إنما يخلق في المعادن، والمعادن إنما تكون في الجبال، فالحديد ينزله الله من معادنه التي في الجبال لينتفع به بنو آدم، وقال تعالى :﴿ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج ﴾.