ثم إن هؤلاء الذين سلكوا هذه الطريقة انتهت بهم إلى قول فرعون؛ فإن فرعون جحد الخالق، وكذب موسى في أن اللّه كلمه، وهؤلاء ينتهي قولهم إلى جحد الخالق، وإن أثبتوه قالوا : إنه لا يتكلم، ولا نادى أحدًا ولا ناجاه.
وعمدتهم في نفي ذاته على نفي الجسم، وفي نفي كلامه وتكليمه لموسى على أنه لاتحله الحوادث، فلا يبقى عندهم رب ولا مرسل. فحقيقة قولهم يناقض شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه؛ فإن الرسول هو المبلغ لرسالة مرسله، والرسالة هي كلامه الذي بعثه به، فإذا لم يكن متكلمًا لم تكن رسالة.
ولهذا اتفق الأنبياء على أن اللّه يتكلم، ومن لم يقل : إنه يتكلم بمشيئته وقدرته كلامًا يقوم بذاته، لم يقل : إنه يتكلم. والنفاة منهم من يقول : الكلام صفة فعل؛ بمعنى أنه مخلوق بائن عنه، ومنهم من يقول : هو صفة ذات؛ بمعنى أنه كالحياة يقوم بذاته، وهو لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وكل طائفة مصيبة في إبطال باطل الأخرى.
والدليل يقوم على أنه صفة ذات وفعل تقوم بذات الرب، والرب يتكلم بمشيئته وقدرته، فأدلة من قال : إنه صفة فعل كلها إنما تدل على أنه يتكلم بقدرته ومشيئته وهذا حق، وأدلة من قال : إنه صفة ذات إنما تدل على أن كلامه يقوم بذاته وهذا حق، وأما من أثبت أحدهما كمن قال : إن كلامه مخلوق، أو قال : إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، فهؤلاء في الحقيقة لم يثبتوا أنه يتكلم، ولا أثبتوا له كلامًا؛ ولهذا يقولون ما لا يعقل. هذا يقول : إنه معنى واحد قام بالذات، وهذا يقول : حروف أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته، وهذا يقول : مخلوق بائن عنه.
ولهذا لما ظهر لطائفة من أتباعهم ما في قولهم من الفساد، ولم يعرفوا عين هذه الأقوال الثلاثة ـ حاروا وتوقفوا، وقالوا : نحن نقر بما عليه عموم المسلمين من أن القرآن كلام اللّه، وأما كونه مخلوقًا أو بحرف وصوت أو معنى قائم بالذات فلا نقول شيئًا من هذا.