فإذا ترك الناس بعض ما أنزل اللّه وقعت بينهم العداوة والبغضاء، إذ لم يبق هنا حق جامع يشتركون فيه، بل ﴿ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [ المؤمنون : ٥٣ ]، وهؤلاء كلهم ليس معهم من الحق إلا ما وافقوا فيه الرسول، وهو ما تمسكوا به من شرعه مما أخبر به وما أمر به، وأما ما ابتدعوه فكله ضلالة كما قال ﷺ :( وإيّاكُم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة )، وقد تكون تلك البدعة أعظم عندهم مما أخذوا به من الشرعة يجعلون تلك هي [ الأصول العقلية ] كالقدرية المجبرة والنفاة، فكلاهما يجعل ما أحدثوه من الكلام في الأصول - وهو الذي يسمونه العقليات - أعظم عندهم مما تلقوه من الشرع، فالمعتزلة يجعلون العقليات هي الخبريات والأمريات جميعًا كالواجبات الشرعية، لكن يقولون أيضًا : إن الشرع أوجبها، ولكن لهم فيها تخليط ليس هذا موضعه.
وكذلك ما ابتدعوه في الخبريات كإثبات حدوث العالم بطريقة الأعراض واستلزامها للأجسام، وهم ينفون الصفات والقدر، ويسمون ذلك [ التوحيد ] و [ العدل ].
وجهْم بن صفوان وأتباعه هم أعظم نفيًا منهم؛ فإنهم ينفون الأسماء مع الصفات، وهم رؤوس المجبرة، والأشعرية وافقتهم في الجبر، لكن نازعوهم نزاعًا لفظيًا في إثبات الكسب والقدرة عليه، وهم يرون أن هذه الأصول العقلية ـ وهي العلم بما يجب للرب ويمتنع عليه وما يجوز عليه من الأفعال ـ هي أعظم العلوم وأشرفها، وأنهم برزوا بها على الصحابة، وأن النبي لم يعلمها الصحابة؛ إما لكونه وكلها إلى استنباط الأمة، وإما لكون الصحابة كانوا مشغولين عنها بالجهاد، وإما لكونه قال لهم في ذلك ما لم يبلغوه، ولم يشغلهم بالأدلة لاشتغالهم بالجهاد.


الصفحة التالية
Icon