والماء الذي توضأ به النبي ﷺ هو -أيضًا- ماء مبارك صب منه على جابر وهو مريض. وكان الصحابة يتبركون به، ومع هذا فكان يتوضأ على التراب وغيره، فما بلغني أن مثل هذا الماء ينهي عن صبه في التراب ونحوه، ولا أعلم في ذلك نهيًا؛ فإن أثر الكتابة لم يبق بعد المحو كتابة، ولا يحرم على الجنب مسه، ومعلوم أنه ليس / له حرمة كحرمته ما دام القرآن والذكر مكتوبان، كما أنه لو صيغ فضة أو ذهب أو نحاس على صورة كتابة القرآن والذكر، أو نقش حجر على ذلك على تلك الصورة، ثم غيرت تلك الصياغة وتغير الحجر لم يجب لتلك المادة من الحرمة ما كان لها حين الكتابة.
وقد كان العباس بن عبد المطلب يقول في ماء زمزم : لا أحله لمغتسل، ولكن لشارب حل وبل. وروى عنه أنه قال : لشارب ومتوضئ ولهذا اختلف العلماء هل يكره الغسل والوضوء من ماء زمزم، وذكروا فيه روايتين عن أحمد. والشافعي احتج بحديث العباس، والمرخص احتج بحديث فيه أن النبي ﷺ توضأ من ماء زمزم، والصحابة توضؤوا من الماء الذي نبع من بين أصابعه مع بركته لكن هذا وقت حاجة.
والصحيح : أن النهي من العباس إنما جاء عن الغسل فقط لا عن الوضوء، والتفريق بين الغسل والوضوء هو لهذا الوجه؛ فإن الغسل يشبه إزالة النجاسة لهذا يجب أن يغسل في الجنابة ما يجب أن يغسل من النجاسة؛ وحينئذ فصون هذه المياه المباركة من النجاسات متوجه، بخلاف صونها من التراب ونحوه من الطاهرات، والله أعلم.
آخر المجلد الثاني عشر


الصفحة التالية
Icon