ومثل هذا المعنى لا يقال في حق الله ـ تعالى ـ فإن الله قادر على العباد حيث كانوا، كما قالت الجن :﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا ﴾ [ الجن : ١٢ ]، وقال :﴿ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾ [ العنكبوت : ٢٢ ].
وإذا كانت العرب تقول ما ذكره، يقولون : طريقك في هذا الأمر على فلان، أي : إليه يصير أمرك، فهذا يطابق تفسير مجاهد وغيره من السلف، كما قال مجاهد : الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه لا يعرج على شيء، فطريق الحق على الله، وهو الصراط المستقيم الذي قال الله فيه :﴿ هّذّا صٌرّاطِ على مٍسًتّقٌيمِ ﴾ كما فسرت به القراءة الأخري.
فالصراط في القراءتين هذا الصراط المستقيم الذي أمر الله المؤمنين / أن يسألوه إياه في صلاتهم، فيقولوا :﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ [ الفاتحة : ٦، ٧ ]. وهو الذي وصي به في قوله :﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [ الأنعام : ١٥٣ ].
وقوله ـ هذا ـ إشارة إلى ما تقدم ذكره، وهو قوله :﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ فتعبد العباد له بإخلاص الدين له : طريق يدل عليه، وهو طريق مستقيم؛ ولهذا قال بعده :﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ [ الحجر : ٤٢ ].
وابن عطية ذكر أن هذا معني الآية في تفسير الآية الأخري مستشهدًا به، مع أنه لم يذكره في تفسيرها، فهو بفطرته عرف أن هذا معني الآية، ولكنه لما فسرها ذكر ذلك القول، كأنه هو الذي اتفق أن رأي غيره قد قاله هناك. فقال ـ رحمه الله :