والمقصود - هنا - الكلام على الآية، فنقول : القول الثالث وهو أصح الأقوال لفظًا ومعنى.
أما من جهة اللفظ ودلالته وبيانه، فإن هذا اللفظ هو مستعمل فيما يلزم به الإنسان - يعني اختياره - ويقهر عليه إذا تخلص منه. يقال : انفك منه، كالأسير والرقيق المقهور بالرق والأسر. يقال : فككت الأسير فانفك، وفككت الرقبة. قال تعالى :﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ [ البلد : ١٢، ١٣ ]
وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري :( عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني ). وفي الصحيح ـ أيضًا ـ : أن عليا لما سئل عما في الصحيفة فقال : فيها العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر.
ففكه : فصله عمن يقهره ويستولي عليه بغير اختياره، والتفريق بينهما.
ويقال : فلان ما يفك فلانًا حتى يوقعه في كذا وكذا، والمتولي لا يفك هذا حتى يفعل كذا - يقال لمن لزم غيره واستولي عليه إما بقدرة وقهر، وإما بتحسين وتزيين وأسباب، حتى يصير بها مطيعًا له.
ويقال للمستولَي عليه : هو ما ينفك من هذا، كما لا ينفك الأسير والرقيق من المستولِي عليه.
فقوله :﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ ﴾ [ البينة : ١ ]، أي : لم يكونوا متروكين باختيار أنفسهم - يفعلون ما يهوونه لا حَجْر عليهم، كما أن المنفك لا حَجْر عليه. وهو لم يقل :[ مفكوكين ] بل قال :﴿ مُنفَكِّينَ ﴾. وهذا أحسن، فإنه نفي لفعلهم. ولو قال :[ مفكوكين ]، كان التقدير : لم يكونوا مسيبين مخلين، فهو نفي لفعل غيرهم. والمقصود أنهم لم يكونوا متروكين - لا يؤمرون ولا ينهون، ولا ترسل إليهم رسل، بل يفعلون ما شاؤوا مما تهواه الأنفس.