أحدهما : أن كل مؤمن فهو مأمور بقراءة هذه السورة، ومنهم من كان معبوده غير الله. فلو قال :[ ولا أنتم عابدون ما عبدت ]، لقالوا : بل نحن نعبد ما كنت تعبد لما كنت مشركًا، بخلاف ما إذا قال :[ ولا أنتم عابدون ما أعبده في هذا الوقت ]. ولم يقل :[ ما أنا عابد له ] إذ نفسه قد لا تكون عابدة له مطلقًا. وقد يجوز أن يعبد الواحد من الناس غير الله في المستقبل، فلا يكون من لم يعبد ما يعبده في المستقبل مذمومًا، بخلاف المؤمن الذي يخاطب بهذه السورة غيره، فإنه حين يقولها ما يعبد إلا الله. فهو يقول للكفار :[ ولا أنتم عابدون ما أعبده الآن ]. وذكر النفي عن الكفار في الجملتين لتقارب كل جملة جملة. فلما قال :﴿ لا أّعبد ما تعبدون ﴾ فنفي الفعل، قال :﴿ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾.
ثم لما زاد النفي بنفي جواز ذلك وبراءة النفس منه ـ ذكر ما يدل على كراهته له وقبحه، ونفي أن يعبد شيئًا مما عبدوه ولو في بعض الزمان ـ قال :﴿ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾، بل أنتم بريؤون من عبادة ما أعبده. فليس لبراءتي، وكمال براءتي، وبُعْدِي من معبودكم، وكمال قربي إلى الله في عبادتي له وحده لا شريك له، يكون لكم نصيب من هذه العبادة. بل أنتم ـ أيضًا ـ في هذه الحال لا تعبدون ما أعبد ـ لا في الحال الأولى، ولا في الثانية.
ولو اقتصر في تبريهم من عبادة الله على الجملة الأولي، لم يكن فيها تبرئة لهم في هذه الحال الثانية. فبرأهم من معبوده حين البراءة الأولي الخاصة، وحين البراءة الثانية العامة القاطعة.
وهم لم يختلف حالهم في الحالين، بل هم فيهما لا يعبدون ما يعبد. فلم يكن في تغيير العبارة فائدة، وإنما غيرت العبارة في حقه وحق المؤمنين لتغيير المعنىين.