ولا يجوز للمؤمن أن ينشئ زيادة في كفرهم، فإن ذلك محرم. بل هو مأمور بدعائهم إلى الإيمان. وليس له أن ينقصهم في خبره عما هم متصفون به. فلم يكن في الإخبار عن حالهم زيادة فيما هم عليه ولا نقص. فلم يغير لفظ الخبر في الحالين بلفظ واحد. وأما المؤمن نفسه فهو مأمور بأن ينشئ قوة الإخلاص الله وحده، وعبادته وحده، والبراءة من كل معبود ـ سواه ـ وعبادته، وبراءته منه ومن عابديه. وقوله :﴿ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾، وإن كان لفظها خبرًا، ففيها معنى الإنشاء، كسائر ألفاظ الإنشاءات، كقوله :[ أشهد أن لا إله إلا الله ]، وقوله :﴿ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ [ الزخرف : ٢٦، ٢٧ ]، وقوله :﴿ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ [ الأنعام : ٧٨ ]، فكل هذه الأقوال فيها معنى الإنشاء لما ينشئه المؤمن في / نفسه من زيادة البراءة من الشرك وهي المقَشْقِشَة التي تُقَشْقِشُ من الشرك، كما يُقَشْقَشُ المريض من المرض. فإن الشرك والكفر أعظم أمراض القلوب. فأمر المؤمن بقول يوجب في قلبه من البراءة من الشرك ما لم يكن في قلبه قبل ذلك. وكلما قاله ازداد براءة من الشرك، وقلبه شفاء من المرض، وإن كان الكَفَرة المخاطبون لا يزدادون بالإخبار عنهم إلا كفرًا. فالجمل الخبرية تطابق المخبر عنه، والإنشاء يوجب إحداث ما لم يكن. فقيل :﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ [ الكافرون : ١، ٢ ]، أي : أنا ممتنع من هذا، تارك له، ثم قال :﴿ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ [ الكافرون : ٤ ] أي : أنا بريء من هذا متنزه عنه. مزكٍ لنفسي منه. فإن الشرك أعظم ما تنجس به النفس، وأعظم تزكية النفس وتطهيرها، تزكيتها منه وتطهيرها منه. فما أنا عابد ـ قط ـ ما عبدتم في وقت من الأوقات.