ومما يوضح هذا قوله :﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ﴾ الآية [ البقرة : ١٣٣ ]، قالوا فيها :﴿ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ ﴾، ثم قالوا :﴿ إِلَهًا وَاحِدًا ﴾ [ البقرة : ١٣٣ ]، فهذا بدل من الأول ـ في أظهر الوجهين. فإن النكرة تبدل من المعرفة، كما في قوله :﴿ كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ [ العلق : ١٥، ١٦ ]، فذكرت معرفة وموصوفة. كذلك قالوا :﴿ نَعْبُدُ إِلَهَكَ ﴾ فعرفوه. ثم قالوا :﴿ إِلَهًا وَاحِدًا ﴾ فوصفوه. والبدل في حكم تكرير العامل أحيانًا، كما في قوله :﴿ قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ﴾ [ الأعراف : ٧٥ ]، فالتقدير : نعبد إلهك، نعبد إلهًا واحدًا، ونحن له مسلمون. فجمعوا بين الخبرين بأمرين ـ بأنهم يعبدون إلهه، وأنهم إنما يعبدون إلهًا واحدًا. فمن عبد إلهين لم يكن عابدًا لإلهه وإله آبائه. وإنما يعبد إلهه من عبد إلهًا واحدًا.
ولو كان من عبد الله وعبد معه غيره عابدًا له، لكانت عبادته نوعين؛ عبادة إشراك، وعبادة إخلاص. وإذا كان كذلك لم يكن / قوله :﴿ إِلَهًا وَاحِدًا ﴾ بدلًا؛ لأن هذا كل من كل، ليس هو بدل بعض من كل. فَعُلِم أن إلهه وإله آبائه لا يكون إلا إلهًا واحدًا.


الصفحة التالية
Icon