فالمذهب الذي تقلده بعض الناس عن بعض ـ كقول النصارى والرافضة والجهمية والدهرية ونحو ذلك ـ يجوز أن يكون فيه ما يعلم فساده بضرورة العقل، وإن كان طائفة من العقلاء قالوه على هذا الوجه، فأما أن يقولوه من غير تواطؤ، فهذا لا يقع، وأكثر المتقلدين للأقوال الفاسدة لا يتصورونها تصورًا تامًا حتى يكون تصورها التام موجبًا للعلم بفسادها. ثم إذا اشتهر القول عند طائفة لم يعلموا غيره عن أهل السنة، ظنوا أنه قول أهل السنة.
ولما كان المشهور عند المسلمين أن أهل السنة لا يقولون : القرآن مخلوق، صار كل من رأي طائفة تنكر قول من يقول : القرآن مخلوق يظن أن كل ما قالته في هذا الباب هو قول السلف وأئمة السنة ـ والذين قالوا : إن القرآن غير مخلوق بل قائم بذات الله، ووافقوا /السلف والأئمة في هذا لما ظهرت محنة الجهمية ـ وثبت فيها الإمام أحمد الذي أيد الله به السنة ونصر السنة ـ صار شعار أهل السنة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يُرَى في الآخرة، فكل من أنكر ذلك، فهو من أهل البدعة في اللسان العام ـ فكثر حينئذ من يوافق أهل السنة والحديث على ذلك، وإن كان لا يعرف حقيقة قولهم، بل معه أصول من أصول أهل البدع الجهمية يريد أن يجمع بينها وبين قول أهل السنة، كما يريد المتفلسف أن يجمع بين أقوال المتفلسفة المخالفين للرسل وبين ما جاءت به الرسل.
فلهذا صار المنتسبون إلى السنة الذين يقولون : القرآن كلام الله غير مخلوق لهم أقوال :
أحدها : قول من يقول : إنه قديم العين، وإن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يتكلم بكلام بعد كلام. ثم هؤلاء على قولين : منهم من يقول : ذلك القديم هو معنى واحد لازم لذات الله أبدًا، أو خمسة معان. ومنهم من يقول : بل هو حروف وأصوات قديمة الأعيان لازمة لذات الله أبدًا.


الصفحة التالية
Icon