فإن قيل : نحن نسلم لكم أن الله خص بعض كلامه من الثواب والأحكام بما لا يشركه فيه غيره، لكن هذا عندنا بمحض مشيئته، لا لاختصاص ذلك الكلام بوصف امتاز به عن الآخر، قيل : أولًا : هذا مخالف لصريح نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة مع مخالفته الصريح المعقول، ثم هذا مبني على أصل الجهمية والقدرية، وهو أن القادر المختار يرجح أحد يتكلم ولا أن يفعل، ثم صار الكلام والفعل ممكنًا من المتماثلين على الآخر بلا مرجح. وهؤلاء لما جوزوا هذا قالوا : إن الرب لم يزل معطلًا، وما كان يمكن في الأزل أن غير حدوث شيء، اقتضى انتقالهما من الامتناع إلى الإمكان، وقالوا : إن القادر المرجح يرجح بلا مرجح.
ثم قالت الجهمية : والعبد ليس بقادر في الحقيقة، فلا يرجح شيئا، بل الله هو الفاعل لفعله، وفعله هو نفس فعل الرب. وقالت/القدرية : العبد قادر تام القدرة يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا سبب حادث، ولا حاجة إلى أن يحدث اللّه ما به يختص به فعل أحدهما، بل هو ـ مع أن نسبته إلى الضدين : الإيمان والكفر سواء ـ يرجح أحدهما بلا مرجح لا من اللّه ولا من العبد، ولا يفتقر إلى إعانة اللّه ولا إلى أن يجعله شائيًا، ولا يجعله يقيم الصلاة، ولا يجعله مسلمًا. ومعلوم بالعقول خلاف هذا، واللّه ـ تعالى ـ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لكن المدح في هذا الكلام معناه أنه مطلق المشيء ة لا معوق له إذا أراد شيئًا، كما قال النبي ﷺ :( لا يقولن أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن اللّه لا مُكْرِه له ). فبين ﷺ أنه لا يفعل إلا بمشيئته، ليس له مكره حتى يقال له : افعل إن شئت، ولا يفعل إن لم يشأ.