وقوله :[ أو ننسأها ] النسأ بمعنى التأخير، وفيه قولان للسلف : القول الأول يروى عن طائفة، قال السدي :[ ما ننسخ من آية ] قال : نسخها : قبضها [ أو ننسأها ] فنتركها لا ننسخها [ نأت بخير ] من / الذي نسخناه أو مثل الذي تركناه. وكذلك في تفسير الوالبي عن ابن عباس :[ ما ننسخ من آية أو ننسأها ] يقول : ما نبدل من آية أو نتركها فلا نرفعها من عندكم ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ [ البقرة : ١٠٦ ]، روي ذلك عن الربيع بن أنس. ومن الناس من فسر بهذا المعنى القراءة الأولى فقالوا : معنى ننسها : نتركها عندكم، فإن النسيان هو الترك. وقال الأزهري ننسها : نأمر بتركها. يقال : أنسيت الشيء، وأنشد :
إني علي عقبة أقضيها ** لست بناسيها ولا منسيها
أي : ولا آمر بتركها.
والقول الثالث : نؤخرها عن العمل بها بنسخنا إياها.
والصواب القول الأوسط، روى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن عباس قال : خطبنا عمر ـ رضي اللّه عنه ـ فقال : يقول اللّه :[ ما ننسخ من آية أو ننسأها ]، أي : نؤخرها. وبإسناده المعروف عن أبي العالية ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ فلا يعمل بها [ أو ننسأها ]، أي : نرجئها عندنا، وفي لفظ عن أبي العالية : نؤخرها عندنا. وعن عطاء : نؤخرها. وقد ذكر قول ثالث عن السلف وهو قول رابع أن المعنى :﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ وهو ما أنزلناه إليكم ولا نرفعه [ أو ننسأها ]، أي : نؤخر تنزيله فلا ننزله. ونقل هذا بعضهم عن سعيد بن المسيب وعطاء. أما / ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ فهو ما قد نزل في القرآن، جعلاه من النسخة [ أو ننسأها ]، أي : نؤخرها فلا يكون، وهو ما لم ينزل.