ولهذا كانت سورة الأنعام أفضل من غيرها، وكذلك سورة يس ونحوها من السور التي فيها أصول الدين التي اتفق عليها الرسل كلهم - صلوات اللّه عليهم - ولهذا كانت ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾
ـ مع قلة حروفها ـ تعدل ثلث القرآن؛ لأن فيها التوحيد، فعلم أن آيات التوحيد أفضل من غيرها، وفاتحة الكتاب نزلت بمكة بلا ريب، كما دل عليه قوله/ تعالى :﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ [ الحجر : ٨٧ ]، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال :( هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته )، وسورة الحجر مكية بلا ريب، وفيها كلام مشركي مكة وحاله معهم، فدل ذلك على أن ما كان اللّه ينسأه فيؤخر نزوله من القرآن، كان ينزل قبله ما هو أفضل منه، و ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾
مكية بلا ريب، وهو قول الجمهور. وقد قيل : إنها مدنية، وهو غلط ظاهر.
وكذلك قول من قال : الفاتحة لم تنزل إلا بالمدينة غلط بلا ريب. ولو لم تكن معنا أدلة صحيحة تدلنا على ذلك لكان من قال : إنها مكية معه زيادة علم. وسورة ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾
، أكثرهم على أنها مكية. وقد ذكر في أسباب نزولها سؤال المشركين بمكة وسؤال الكفار من أهل الكتاب اليهود بالمدينة، ولا منافاة، فإن اللّه أنزلها بمكة أولًا، ثم لما سئل نحو ذلك أنزلها مرة أخري. وهذا مما ذكره طائفة من العلماء وقالوا : إن الآية أو السورة قد تنزل مرتين وأكثر من ذلك.
فما يذكر من أسباب النزول المتعددة قد يكون جميعه حقًا. والمراد بذلك أنه إذا حدث سبب يناسبها، نزل جبريل فقرأها عليه ليعلمه أنها تتضمن جواب ذلك السبب، وإن كان الرسول يحفظها قبل ذلك. /والواحد منا قد يسأل عن مسألة فيذكر له الآية أو الحديث، ليبين له دلالة النص على تلك المسألة وهو حافظ لذلك، لكن يتلى عليه ذلك النص ليتبين وجه دلالته على المطلوب.


الصفحة التالية
Icon