وأيضًا، فإن الناسخ مهيمن على المنسوخ، قاض عليه، مقدم عليه، فينبغي أن يكون مثله أو خيرًا منه كما أخبر بذلك القرآن؛ ولهذا لما كان القرآن مهيمنًا على ما بين يديه من الكتاب بتصديق ما فيه من حق، وإقرار ما أقره، ونسخ ما نسخه، كان أفضل منه، فلو كانت السنة ناسخة للكتاب، لزم أن تكون مثله أو أفضل منه.
وأيضًا، فلا يعرف في شيء من آيات القرآن أنه نسخه إلا قرآن، والوصية للوالدين والأقربين منسوخة بآية المواريث، كما اتفق على ذلك السلف، قال تعالي :﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ [ النساء : ١٣، ١٤ ]. والفرائض المقدرة من حدوده؛ ولهذا ذكر ذلك عقب ذكر الفرائض، فمن أعطي صاحب الفرائض أكثر من فرضه، فقد تعدى حدود الله، بأن نقص هذا حقه، وزاد هذا على حقه، فدل القرآن على تحريم ذلك وهو الناسخ.

فصل


والناس في هذا المقام ـ وهو مقام حكمة الأمر والنهي ـ على ثلاثة أصناف : فالمعتزلة القدرية يقولون : إن ما أمر به ونهي عنه كان حسنًا وقبيحًا قبل الأمر والنهي، والأمر والنهي كاشف عن صفته التي كان عليها لا يكسبه حسنًا ولاقبحًا، ولا يجوز عندهم أن يأمر وينهى لحكمة تنشأ من الأمر نفسه؛ ولهذا أنكروا جواز النسخ قبل التمكن من فعل العبادة، كما في قصة الذبيح، ونسخ الخمسين صلاة التي أمر بها ليلة المعراج إلى خمس، ووافقهم على منع النسخ قبل وقت العبادة/ طائفة من أهل السنة المثبتين للقدر؛ لظنهم أنه لابد من حكمة تكون في المأمور به والمنهي عنه، فلا يجوز أن ينهى عن نفس ما أمر به، وهذا قياس من يقول : إن النسخ تخصيص في الأزمان، فإن التخصيص لا يكون برفع جميع مدلول اللفظ، لكنهم تناقضوا.


الصفحة التالية
Icon