والقول الثاني : أن بعض القرآن أفضل من بعض، وهذا قول الأكثرين من الخلف والسلف، فإن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح في الفاتحة :( إنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا الزبور ولا القرآن مثلها )، فنفي أن يكون لها مثل، فكيف يجوز أن يقال : إنه متماثل ؟ وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال لأبي بن كعب :( يا أبا المنذر، أتدري أي آية في كتاب الله أعظم ؟ قال :﴿ اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [ البقرة : ٢٥٥ ]، فضرب بيده في صدره وقال له :( لِيَهَنك العلم أبا المنذر )، فقد بين أن هذه الآية أعظم آية في القرآن، وهذا بين أن بعض الآيات أعظم من بعض.
وأيضًا، فإن القرآن كلام الله والكلام يشرف بالمتكلم به، سواء كان خبرًا أو أمرًا، فالخبر يشرف بشرف المخبر وبشرف المخبر عنه، والأمر يشرف بشرف الآمر، وبشرف المأمور به، فالقرآن وإن كان/كله مشتركًا، فإن الله تكلم به، لكن منه ما أخبر الله به عن نفسه، ومنه ما أخبر به عن خلقه، ومنه ما أمرهم به. فمنه ما أمرهم فيه بالإيمان، ونهاهم فيه عن الشرك، ومنه ما أمرهم به بكتابة الدين، ونهاهم فيه عن الربا.
ومعلوم أن ما أخبر به عن نفسه كـ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ أعظم مما أخبر به عن خلقه كـ ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ﴾ وما أمر فيه بالإيمان، وما نهي فيه عن الشرك أعظم مما أمر فيه بكتابة الدين ونهي فيه عن الربا؛ ولهذا كان كلام العبد مشتركًا بالنسبة إلى العبد، وهو كلام لمتكلم واحد، ثم إنه يتفاضل بحسب المتكلم فيه. فكلام العبد الذي يذكر به ربه ويأمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر أفضل من كلامه الذي يذكر فيه خلقه، ويأمر فيه بمباح أو محظور. وإنما غلط من قال بالأول؛ لأنه نظر إلى إحدى جهتي الكلام، وهي جهة المتكلم به، وأعرض عن الجهة الأخرى، وهي جهة المتكلم فيه، وكلاهما للكلام به تعلق يحصل به التفاضل والتماثل.