نَأْتِىَ - أَوْ نَسْأَلَ - النَّبِىَّ - ﷺ - فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِىِّ - ﷺ - فَقَالَ « وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِى بِسَهْمٍ » (١). ووجه تسميتها أم القرآن أن الأم يطلق على أصل الشيء ومنشئه وفي الحديث الصحيح عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - : مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَامٍ فَقُلْتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ، قَالَ : فَغَمَزَ ذِرَاعِي، وَقَالَ : اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ : قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - : اقْرَؤُوا يَقُولُ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يَقُولُ اللَّهُ : حَمِدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يَقُولُ اللَّهُ : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يَقُولُ اللَّهُ : مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَهَذِهِ الآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ :﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فَهَذِهِ الآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ :﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، فَهَؤُلاَءِ لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. (٢) " أي منقوصة مخدوجة ". وقد ذكروا لتسمية الفاتحة أم القرآن وجوها ثلاثة : أحدها أنها مبدوه ومفتتحه فكأنها أصله ومنشؤه يعني أن افتتاحه الذي هو وجود أول أجزاء لقرآن قد ظهر فيها فجعلت كالأم للولد في أنها الأصل والمنشأ فيكون أم القرآن تشبيها بالأم التي هي منشأ الولد لمشابهتها بالمنشأ من حيث ابتداء الظهور والوجود. الثاني أنها تشتمل محتوياتها على أنواع مقاصد القرآن وهي ثلاثة أنواع : الثناء على الله ثناء جامعا لوصفه بجميع المحامد وتنزيهه من جميع النقائص ولإثبات تفرده بالإلهية وإثبات البعث والجزاء وذلك من قوله ( الحمد لله ) إلى قوله ( ملك يوم الدين ) والأوامر والنواهي من قوله ( إياك نعبد ) والوعد والوعيد من قوله ( صراط الذين ) إلى آخرها فهذه هي أنواع مقاصد القرآن كله وغيرها تكملات لها لأن القصد من القرآن إبلاغ مقاصده الأصلية وهي صلاح الدارين وذلك يحصل بالأوامر والنواهي ولما توقفت الأوامر والنواهي على معرفة الآمر وأنه الله الواجب وجوده خالق الخلق لزم تحقيق معنى الصفات ولما توقف تمام الامتثال على الرجاء في الثواب والخوف من العقاب لزم تحقق الوعد والوعيد. والفاتحة مشتملة على هاته الأنواع فإن قوله ( الحمد لله ) إلى قوله ( يوم الدين ) حمد وثناء وقوله ( إياك نعبد ) إلى قوله ( المستقيم ) من نوع الأوامر والنواهي وقوله صراط الذين إلى آخرها من نوع الوعد والوعيد مع أن ذكر المغضوب عليهم والضالين يشير أيضا

(١) - صحيح البخارى- المكنز (٥٠٠٧) -السليم : اللديغ قيل سمى سليما رجاء سلامته
(٢) - صحيح ابن حبان - (٥ / ٨٤) (١٧٨٤) صحيح


الصفحة التالية
Icon