سورة النساء من تفاصيل الأحكام ما شأنه أن يكون بعد استقرار المسلمين بالمدينة، وانتظام أحوالهم وأمنهم من أعدائهم. وفيها آية التيمّم، والتيمّم شرع يوم غزاة المريسيع سنة خمس، وقيل : سنة ستّ. فالذي يظهر أنّ نزول سورة النساء كان في حدود سنة سبع وطالت مدّة نزولها، ويؤيّد ذلك أنّ كثيراً من الأحكام التي جاءت فيها مفصّلة تقدّمت مجملة في سورة البقرة من أحكام الأيتام والنساء والمواريث، فمعظم ما في سورة النساء شرائع تفصيلية في معظم نواحي حياة المسلمين الاجتماعية من نظم الأموال والمعاشرة والحُكم وغير ذلك، على أنّه قد قيل : إنّ آخر آية منها، وهي آية الكلالة، هي آخر آية نزلت من القرآن، على أنّه يجوز أن يكون بين نزول سائر سورة النساء وبين نزول آية الكلالة، التي في آخرها مدّة طويلة، وأنّه لمّا نزلت آية الكلالة الأخيرة أُمروا بإلحاقها بسورة النساء التي فيها الآية الأولى. ووردت في السنّة تسمية آية الكلالة الأولى آية الشتاء، وآية الكلالة الأخيرة آية الصيف. ويتعيّن ابتداء نزولها قبل فتح مكّة لقوله تعالى :( وما لكم لا تقاتلون في سبيل اللَّه والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ( ( النساء : ٧٥ ) يعني مكّة. وفيها آية :( إن اللَّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ( ( النساء : ٥٨ ) نزلت يوم فتح مكّة في قصة عثمان بن طلحة الشيبي، صاحب مفتاح الكعبة، وليس فيها جدال مع المشركين سوى تحقير دينهم، نحو قوله :( ومن يشرك باللَّه فقد افترى إثماً عظيماً فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ) إلخ، وسوى التهديد بالقتال، وقطع معذرة المتقاعدين عن الهجرة، وتوهين بأسهم عن المسلمين، ممّا يدلّ على أنّ أمر المشركين قد صار إلى وهن، وصار المسلمون في قوة عليهم، وأنّ معظمها، بعْد التشريع، جدال كثير مع اليهود وتشويه لأحوال المنافقين، وجدال مع النصارى ليس بكثير، ولكنّه أوسع ممّا في سورة آل عمران، ممّا يدلّ على أنّ مخالطة المسلمين للنصارى أخذت تظهر بسبب تفشّي الإسلام في تخوم الحجاز الشامية لفتح معظم الحجاز وتهامة.
وقد عُدّت الثالثة والتسعين من السور. نزلت بعد سورة الممتحنة وقبل سورة :( إذا زلزلت الأرض ( ( الزلزلة : ١ ).
وعدد آيها مائة وخمس وسبعون في عدد أهل المدينة ومكّة والبصرة، ومائة وسِت وسبعون في عدد أهل الكوفة، ومائة وسبع وسبعون في عدد أهل الشام.
وقد اشتملت على أغراض وأحكام كثيرة أكثرها تشريع معاملات الأقرباء وحقوقهم، فكانت فاتحتها مناسبة لذلك بالتذكير بنعمة خلق الله، وأنّهم محقوقون بأن يشكروا ربّهم على ذلك، وأن يراعوا حقوق النوع الذي خلقوا منه، بأن يصلوا أرحامهم القريبة والبعيدة، وبالرفق بضعفاء النوع من اليتامى، ويراعوا حقوق صنف النساء من نوعهم بإقامة العدل في معاملاتهنّ، والإشارة إلى عقود النكاح والصداق


الصفحة التالية
Icon