الحياة المنبثقة هنا وهناك.. من بثها في هذا الموات؟.. هذا الماء الهاطل. هذا البرعم النابغ. هذا الحب المتراكب.
هذا النجم الثاقب. هذا الصبح البازغ. هذا الليل السادل. هذا الفلك الدوار.. هذا كله من وراءه؟ وماذا وراءه من أسرار، ومن أخبار؟.. هذه الأمم، وهذه القرون، التي تذهب وتجي ء، وتهلك وتستخلف..
من ذا يستخلفها؟ ومن ذا يهلكها؟ لماذا تستخلف؟ ولما ذا يدركها البوار؟ وماذا بعد الاستخلاف والابتلاء والوفاة من مصير وحساب وجزاء؟؟؟
هكذا تطوّف السورة بالقلب البشري في هذه الآماد والآفاق، وفي هذه الأغوار والأعماق.. ولكنها تمضي في هذا كله على منهج القرآن المكي.. الذي أسلفنا الحديث عنه في الصفحات السابقة - وعلى منهج القرآن كله.. إنها لا تهدف إلى تصوير نظرية في العقيدة ولا إلى جدل لاهوتي يشغل الأذهان والأفكار.. إنما تهدف إلى تعريف الناس بربهم الحق لتصل من هذا التعريف إلى تعبيد الناس لربهم الحق. تعبيد ضمائرهم وأرواحهم، وتعبيد سعيهم وحركتهم، وتعبيد تقاليدهم وشعائرهم، وتعبيد واقعهم كله لهذا السلطان المتفرد..
سلطان اللّه الذي لا سلطان لغيره في الأرض ولا في السماء..
ويكاد اتجاه السورة كله يمضي إلى هذا الهدف المحدد.. من أولها إلى آخرها.. فاللّه هو الخالق. واللّه هو الرازق. واللّه هو المالك. واللّه هو صاحب القدرة والقهر والسلطان. واللّه هو العليم بالغيوب والأسرار.
واللّه هو الذي يقلب القلوب والأبصار كما يقلب الليل والنهار.. وكذلك يجب أن يكون اللّه هو الحاكم في حياة العباد وألا يكون لغيره نهي ولا أمر، ولا شرع ولا حكم، ولا تحليل ولا تحريم. فهذا كله من خصائص الألوهية، ولا يجوز أن يزاوله في حياة الناس أحد من دون اللّه، لا يخلق، ولا يرزق، ولا يحيي ولا يميت، ولا يضر ولا ينفع، ولا يمنح ولا يمنع، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا في الدنيا ولا في الآخرة..
وسياق السورة يسوق على هذه القضية أدلته في تلك المشاهد والمواقف والإيقاعات البالغة حد الروعة الباهرة والتي تواجه القلب بالحشود الحاشدة من المؤثرات الموحية، من كل درب ومن كل باب!
والقضية الكبيرة التي تعالجها السورة هي قضية الألوهية والعبودية في السماوات والأرض. في محيطها الواسع، وفي مجالها الشامل.. ولكن المناسبة الحاضرة في حياة الجماعة المسلمة حينذاك، المناسبة التطبيقية لهذه القاعدة الكبيرة الشاملة، هي ما تزاوله الجاهلية من حق التحليل والتحريم في الذبائح والمطاعم، ومن حق تقرير بعض الشعائر في النذور من الذبائح والثمار والأولاد.. وهي المناسبة التي تتحدث عنها هذه


الصفحة التالية
Icon