السورة الخامسة والخمسين.. ولكننا - كما بينا من قبل في التعريف بسورة البقرة - لا نستطيع بمثل هذه المعلومات أن نجزم بشيء عن تاريخ محدد لنزول السور. فالمعول عليه عندهم - في الغالب - في ترتيب السور على هذا النحو هو تاريخ نزول أوائلها - لا جملتها - وقد تكون هناك أجزاء من سورة متقدمة نزلت بعد أجزاء من سورة متأخرة. إذ المعول في الترتيب على أوائل السورة.. أما في سورة الأنعام فقد نزلت كلها جملة.
ولكننا لا نملك تحديد تاريخ نزولها. غير أننا نرجح أنها كانت بعد السنوات الأولى من الرسالة.. ربما الخامسة أو السادسة.. ولا نعتمد في هذا الترجيح على أكثر من رقم الترتيب ثم على سعة الموضوعات التي تناولتها، والتوسع في عرضها على هذا النحو، الذي يشي بأن الدعوة والجدل مع المشركين، وطول الإعراض منهم والتكذيب لرسول اللّه، أصبح يقتضي التوسع في عرض القضايا العقيدية على هذا النحو كما يقتضي تسلية رسول اللّه - ﷺ - عن طول الصد والإعراض والتكذيب..
وفي رواية عن ابن عباس وقتادة : أن السورة مكية كلها إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة. قوله تعالى :«وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْ ءٍ. قُلْ : مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ، تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً، وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ، قُلِ : اللَّهُ، ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ».. وهي الآية : ٩١. نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين. وقوله تعالى :«وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ، كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ، وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ، وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»..
وهي الآية ١٤١، نزلت في ثابت بن قيس شماس الأنصاري.. وقال ابن جريج والماوردي : نزلت في معاذ ابن جبل.
والرواية عن الآية الأولى محتملة بسبب أن فيها ذكرا للكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس، ومواجهة لليهود في قوله تعالى :«تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها».. وإن كان هناك روايات أخرى عن مجاهد، وعن ابن عباس أن الذين قالوا : ما أنزل اللّه على بشر من شيء هم مشركو مكة وأن الآية مكية. وهناك قراءة :«قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا»...
فهي على هذه القراءة خبر عن اليهود وليست خطابا لهم. وسياق الآية كله عن المشركين. وقد رجح ابن جرير هذه الرواية واستحسن هذه القراءة.. وعلى هذا تكون الآية مكية..


الصفحة التالية
Icon