«قال سفيان الثوري عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت :«نزلت سورة الأنعام على النبي - ﷺ - جملة وأنا آخذة بزمام ناقة النبي - ﷺ - إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة».
أما الرواية عن ابن عباس فقد رواها الطبراني قال : حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال :«نزلت الأنعام بمكة ليلة جملة واحدة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح»..
وهاتان الروايتان أوثق من الأقوال التي جاء فيها أن بعض الآيات مدنية. وذلك بالإضافة إلى التحليل الموضوعي الذي أسلفنا.
والواقع أن سياق السورة في تماسكه وفي تدافعه وفي تدفقه يوقع في القلب أن هذه السورة نهر يتدفق، أو سيل يتدفع، بلا حواجز ولا فواصل وإن بناءها ذاته ليصدق تماما هذه الروايات، أو على الأقل يرجحها ترجيحا قويا.
أما موضوع السورة الأساسي وشخصيتها العامة فقد أجملنا الإشارة إليهما في مطلع الحديث عنها. ولكن لا بد من شيء من التفصيل في هذا التعريف..
روى أبو بكر بن مردويه - بإسناده - عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه - ﷺ - «نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سدّ ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح، والأرض بهم ترتج».
ورسول اللّه يقول :«سبحان اللّه العظيم. سبحان اللّه العظيم..».
هذا الموكب، وهذا الارتجاج، واضح ظلهما في السورة!.. إنها هي ذاتها موكب. موكب ترتج له النفس، ويرتج له الكون!..
إنها زحمة من المواقف والمشاهد والموحيات والإيقاعات!..
وهي - كما قلنا من قبل - تشبه في سياقها المتدافع بهذه المشاهد والمواقف والموحيات والإيقاعات مجرى النهر المتدافع بالأمواج المتلاحقة. ما تكاد الموجة تصل إلى قرارها حتى تبدو الموجة التالية ملاحقة لها، ومتشابكة معها، في المجرى المتصل المتدفق!
والموضوع الرئيسي الذي تعالجه متصل فلا يمكن تجزئة السورة إلى مقاطع، كل مقطع منها يعالج جانبا من الموضوع.. إنما هي موجات.. وكل موجة تتفق مع التي قبلها وتكملها. (١)
خلاصة ما اشتملت عليه السورة من العقائد والأحكام

(١) - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (٢ / ١٠٠٤)


الصفحة التالية
Icon