﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ يس: ٣٦.
قال ابن كثير:
أي: من زروع وثمار ونبات، ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ : فجعلهم ذكرا وأنثى. ﴿وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ : أي من مخلوقات شتى لا يعرفونها، كما قال جلت عظمته: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
ثم ذكر الله سبحانه أن الناس جميعا خلقوا من نفس واحدة، ومن تلك النفس خلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ النساء: ا.
فـ"أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة، ليعطف بعضهم على بعض ويحننهم على ضعفائهم"٢ كما بيّن ذلك ووضحه رسوله الله ﷺ من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباءة متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعّر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾، والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّه﴾ تصدق رجل من ديناره من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإِسلام حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في

١ المصدر نفسه (٥/٦١٣).
٢ تفسير القرآن العظيم (٢/١٩٦).


الصفحة التالية
Icon