أحكام القرآن (الجصاص)، ج ١، ص : ١١٦
ابن إسحاق المروزى قال حدثنا الحسن بن يحيى بن أبى الربيع الجرجانى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن كعب بن مالك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال (نسمة المسلم طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها إلى جسده)
قوله تعالى [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ- إلى قوله تعالى- وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ] روى عن عطاء والربيع وأنس بن مالك أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد الهجرة قال أبو بكر جائز واللّه أعلم أن يكون قدم إليهم ذكر ما علم أنه يصيبهم في اللّه من هذه البلايا والشدائد المعنيين أحدهما ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت فيكون ذلك أبعد من الجزع وأسهل عليهم بعد الورود والثاني ما يتعجلون به من ثواب توطن النفس قوله تعالى [وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ] يعنى واللّه أعلم على ما قدم ذكره من الشدائد وقوله تعالى [الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ] يعنى إقرارهم في تلك الحال بالعبودية والملك له وأن له أن يبتليهم بما يشاء تعريضا منه لثواب الصبر واستصلاحا لهم لما هو أعلم به إذ هو تعالى غير متهم في فعل الخير والصلاح إذ كانت أفعاله كلها حكمة ففي إقرارهم بالعبودية تفويض الأمر إليه ورضى بقضائه فيما يبتليهم به إذ لا يقضى إلا بالحق كما قال تعالى [وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْ ءٍ] وقال عبد اللّه بن مسعود لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه اللّه تعالى ليته لم يكن وقوله تعالى [إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
] إقرار بالبعث والنشور واعتراف بأن اللّه تعالى سيجازى الصابرين على قدر استحقاقهم فلا يضيع عنده أجر المحسنين
ثم أخبر بما لهم عند اللّه تعالى عند الصبر على هذه الشدائد في طاعة اللّه تعالى فقال [أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ] يعنى الثناء الجميل والبركات والرحمة وهي النعمة التي لا يعلم مقاديرها إلا اللّه تعالى كقوله في آية أخرى [إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ] ومن المصائب والشدائد المذكورة في الآية ما هو من فعل المشركين بهم ومنها ما هو من فعل اللّه تعالى فأما ما كان من فعل المشركين فهو أن العرب كلها كانت قد اجتمعت على عداوة النبي صلّى اللّه عليه وسلم غير ما كان بالمدينة من المهاجرين والأنصار وكان خوفهم من قبل هؤلاء لقلة المسلمين وكثرتهم وأما الجوع فلقلة ذات اليد والفقر الذي نالهم وجائز أن يكون الفقر تارة من اللّه تعالى


الصفحة التالية
Icon